نوري ، أي أول ما قدره بالتعيّن على مفهوم أصل الوضع اللّغوي كان نوري ، أي التجلّي الأول المتعيّن الظاهر في مجلى حقيقتي التي هي حقيقة الحقائق والبرزخية الكبرى الجامعة بين الواحدية والأحدية التي هي القابلية الحقيقة للظهور المدرك ، والحكم بأن ما وراء هذا مما لا يحكم عليه بظهور ولا لا ظهور ، فكان ذلك التجلّي الأول هو الذي علمت أنه كان اللّه ولا شيء معه ، وأخبرت به وبذلك النور خلق الخلق ، أي قدّر كل مقدّر وصورة كل متعيّن كان متميّزا بتعيّنه وصورته في علمه الأزلي المتعلق بهذه الصورة المقدّرة ، وقدّر أيضا وجود هذه الصورة المقدّرة في علمه ، فأوجدهم اللّه مقدّرا على ذلك التقدير الأول العلمي ، وأظهرهم بذلك التقدير الإيجادي في عالم الأرواح ، فعلمت ذلك وأخبرت عنه بقولي : « أول ما خلق اللّه القلم ، ثم قال له : اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة » « 1 » ، أي في اللوح ، ثم على ذلك التقدير أوجدهم في عالم المثال والحسّ إلى أن ظهر بعضهم بحكم التقدير الأول بصورة الأعيان الجمادية والنباتية والحيوانية ، وبعضهم بصورة الأعراض والأحوال إلى أن ظهر عين الصورة الإنسانية الآدمية ، وظهر في ظهورها عين كل ذرة من الذرّات الترابية التي كان كل ذرّة منها أصل بنية بنيه ، أي بني آدم في النشأة الذرية ، فخوطبت ب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] ، وأجابت ببلى ، وبذلك النور والتجلّي الأول أيضا علمت وأخبرت بأعيان المقدّرات علما ووجودا وأوصافها وأحوالها التي منها أعيان السابقين واللّاحقين من الأنبياء والأولياء وأحوالهم ومراتبهم ومشاهدهم ومبادئهم ونهاياتهم ، كما أخبرت في خبر آخر بقولي : « فعلمت علم الأولين والآخرين » « 2 » .
يقول : فذر لي ، أي فدع لي ما يختص علمه ومعرفته بي ، وهو كل ما كان قبل ظهور النشأة الآدمية مما بيّنته وقرّرته من الأمور الجارية في نهر الكون من عين العلم الوحداني تعلّقا ومتعلّقا إلى أن ينتهي إلى طينة الآدمية عرفت ذلك كلّه لأجل خصوصيتي بعرفانها .
هامش
( 1 ) روى نحوه الحاكم في المستدرك ، تفسير سورة حم الجاثية . . . ، حديث رقم ( 3693 ) [ 2 / 492 ] ؛ والترمذي في سننه ، باب ومن سورة نون ، حديث رقم ( 3319 ) [ 5 / 424 ] ؛ وروى نحوه غيرهما .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .