تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
الاعتدال الحقيقي المختصّ بمزاجه الأكمل الأعدل صلّى اللّه عليه وسلّم مفاض عليه ، والحسن القائم بذلك المزاج الحسن أيضا مفاض من ذلك الاعتدال المختصّ بالمزاج المحمدي صلّى اللّه عليه وسلّم وإمداده إياه بذلك الفيض ، فصحّ قوله : وكل ما ترى حسنا في الكون من فيض طينتي ، أي مزاجي واعتدالي الحقيقي الذي هو أصل الاعتدالات كلّها وممدّها وميزانها .
فذر لي ما قبل الظّهور عرفته خصوصا وبي لم تدر في الذرّ رفقتي يقال : فلان يذر الشيء ، أي : يقذفه لقلّة اعتداده به ، ولم يستعمل ماضيه ، واللام في لي لام الاختصاص ، والهاء في عرفته يرجع إلى ما الموصولة ، والباء في بي حرف تعدية لم تدر ، فإنه يقال : دريته ودريت به ، أي عرفته بضرب من الحيلة والرفقة الجماعة التي ترافقهم في سفرك ، فإذا تفرقتم ذهب اسم الرفقة والرفيق من يرافقك ، وهو أن يجمعك وإيّاه رفقة ولا يذهب اسمه إذا تفرّقتما ، كذا قاله الخليل .

المعنى

: إنما أراد بالظهور هنا ظهور الصورة الإنسانية الآدمية المشتملة على الذرّات الترابية التي كل ذرّة منها مادة صورة من بني آدم المجتمعة جميعها في الظهور عند خطاب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] ، وأراد بالذي قبل الظهور الأمور والأعيان والأحوال المضافة إليها من حيث كونها أغيارا في الحضرة العلمية ، ومن حيث كونها عينا واحدا حضرة « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » في المرتبة الأولى قبل ظهور تلك الأعيان والأمور والأحوال لأنفسها ، وبعضها لبعض في المراتب الكونية الوجودية نحو مرتبة الأرواح والمثال والحسّ وبعده . فأشار بقوله : فذر لي ما قبل الظهور إلى قوله : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 2 » ، يعني بين العلم المتعلق بمعلوم واحد المكني عنه بالماء في قوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
[ الأنعام : الآية 99 ] ، وفي غيره في كثير من المواضع وبين الصورة الطينية الآدمية ، يعني : كنت مرتفعا بالعلم والخبرة أو مخبرا وهاديا حال كينونة آدم بين العلم المتعلق في المرتبة الأولى بمعلوم واحد ، وهو الذات الأقدس بشؤون واحديتها ، وبين صورة آدم الطينيّة ، فإنه كان أوّل ما خلق اللّه تعالى
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء برقم ( 2007 ) [ 2 / 169 ] وحديث رقم ( 2017 ) [ 2 / 173 ] .