الحاضر في تلك الحضرة ، والمبصرات بالبصر ، والمسموعات بالسمع ، والمشمومات بالشمّ ، والملموسات باللّمس ، والمذوقات بالذوق ، وكذا المعقولات لا يدركها إلّا بالعقل الحاضر في تلك الحضرة والروحانيات إلا بروحه ، والمعنويات إلا بمعناه وسرّه ، وكل ما ينسب إلى الحقّ لا يدركه إلّا بقلبه وحقيقته الظاهرة فيه ، والخلقيات إلّا بخلقه بموجب
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا
( 84 ) [ الإسراء : الآية 84 ] ، أي في التميّز الخلقي الخصوصيات إنما أضيف حكم هذا التميّز وعمل كل شيء على شاكلته ، وحكم خصوصيّته بعلم الرب المضاف إليهم ، أعني إلى غير الحضرة المحمدية لا إلى الربّ المضاف إليه الذي هو منتهى كل شيء من الربّ والمربوب ، وهذا الحكم - أعني اختصاص كل مدرك بما يناسبه من المدركات وتقيّده بذلك - يعيد عنه بسكر مقام الجمع ، وإنما بقي هذا القيد في مقام جمع الجمع بسبب بقاء أثر التميّز والغيرية فيه بحكم اقتضاء هذه المرتبة هذا الحكم .
وأما الصحو من هذا السكر ، فمختص بمرتبة أحدية الجمع وحضرة السوائية والحقيقية التي لا تميّز فيها تميّزا حقيقيّا ولا غير ولا غيرية فيها بوجه من الوجوه أصلا ؛ فلا جرم صاحب هذا المقام مختصّ باتّحاد بصره الظاهري وبصيرته الباطنية واتّحاد قلبه بقالبه ، وقالبه بقلبه ، وبصره بسمعه ، وسمعه ببصره ، فيدرك بكل شيء كل شيء فلا يختص إدراك شيء بشيء بالنسبة إليه ، فيدرك المعاني المجرّدة والروحانيات بحاسة بصره وشمّه وذوقه ولمسه إذا أراد ، والمبصرات والمسموعات بعقله وروحه وسرّه ، وهذا هو صحو الجمع المختصّ بالمقام المحمدي الذي يترجم عنه الناظم ، فيقول مترجما وناقلا عن لسان صاحب هذا المقام صلّى اللّه عليه وسلّم : كل الناس أولاد آدم متساوين في الانتساب إليه ، إلا أني خصصت من بين إخوتي بجمع صحو الجمع المذكور من دونهم .
فسمعي كليميّ ، وقلبي منبّأ بأحمد ، رؤيا مقلة أحمديّة
الرؤيا مختصّة بالنوم ، والرؤية باليقظة ، وقال معلّلا بحرف الفاء لما ادّعاه من إحرازه وحيازته صحو الجمع أن سمعي كليمي ، يعني من جهة أنه أدرك التجلّي بسمعه وخرّ صعقا ، وأن قلبي منبأ أي : مخبر بأحمد رؤيا مقلة مضافة إلى الحضرة الأحمدية ، ففي قوله : قلبي منبأ بأحمد رؤيا مقلة أحمدية أدرج أربع إشارات :