تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
قلت : أراد بذلك أن أغلب أكابر الأولياء رضي اللّه عنهم كانوا منسوبين إلى صنائع وحرف نازلة وضيعة نحو الحداد والخرّاز والبزاز والجمّال والمزين والزجاج والحصري وأمثال ذلك ، وحيث تحقّقوا بهذه الأوصاف والأسماء المذكورة صيّرتهم من المعتبرين المصطفين على سائر الخلق ، ولو لم ينسبوا إلى هذه الأوصاف والأسماء كانوا بالنظر إلى صنائعهم وأعمالهم الظاهرة لدى الخلق نسيا منسيّا ، ولم يكن لهم ذكر جميل في سائر الألسنة ، بل رفعتهم هذه الأوصاف والأسماء إلى أعلى الدرجات عند الحقّ والخلق .
وأنت على ما أنت عنّي نازح ، وليس الثّريّا ، للثّرى ، بقرينة قوله : نازح ، أي بعيد ، يعني إذا بلغت أنت بجولانك في فنون الاتّحاد وبلغت غايته التي هي مقام جمع الجمع ، ومع ذلك بعيد منزلتك من منزلتي كبعد ما بين الثريّا والثرى ؛ لنزول درجة مبدأ مقامات الاتّحاد ووسطها وانتهائها عن مقام أحدية الجمع المختصّ بالحضرة المحمدية التي أنا متطلّع إليها ومخبر عنها بحكم الترجمانية ، فلا تتطلّع إلى ما فوق طورك .
فطورك قد بلّغته ، وبلغت فو ق طورك حيث النّفس لم تك ظنّت قوله : طورك ، يعني : غايتك ، كنى بالطور بمناسبة العلوّ والارتفاع عن غاية مراتب الترقّي والعروج إلى مقام الاتّحاد اعتبارا بحال موسى عليه السلام ومعراجه بالطور ، والطور : الحدّ ، والألف واللام في النفس قاما مقام الإضافة . يقول : فإني قد بلغتك أيها المسترشد بإرشادي وهدايتي إيّاك إلى غاية ما يتحمّله قابليتك واستعدادك ، ووصلت إلى ما فوق جدّ همك وهمّتك حيث لا يصل ظنّ نفسك إليه لولا مدد هدايتي وإرشادي إيّاك إليه .
وحدّك هذا ، عنده قف ، فعنه لو تقدّمت شيئا ، لاحترقت بجذوة الجذوة بالحركات الثلاث : الجمرة الملتهبة ، وقيل : ما يبقى من الحطب بعد التهابه . يقول : مخاطبا للمسترشد أن حدّ اقتضاء استعدادك وقابليتك للسير إلى اللّه وفي اللّه بالجولان في فنون مقامات الاتّحاد ومنازله هذا الذي وصلت إليه