تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
من حيث إنك عاشق لطيف بالسحب وكل ما يناسب حجابيتها وكثافتها ، فيكنى بها عنه بهذه المناسبة والملابسة غالبا عليها لكثافتها ، ولو جرّك حبّك حالتئذ نحو وصل حضرة محبوبك وأوصلك إليه تجرّ ذيلك ذلك المسحوب بالسحب الصورية أو المعنوية قبل الوصل على أعلى المجرة بالوصل ، يعني : على أعلى كل طرف علوّ صوري أو معنوي متّصف بوصف اللّطافة والبساطة المختصّة بعوالم الخلقية لكونك متّصفا حالة الوصل الحقيقي والمقتضي للتحقيق بحقيقة الوحدة التي هي منشأ كل لطافة وبساطة ، وهي آثارها وفروعها ، فإذا تحقّقت بحقيقة الوصل والوحدة التي هي من مقتضياته وصلت إلى العين والأصل وعلوت على الأثر والفرع ، وحينئذ لم يبق لك منهم إلا الجولان في فنون الاتّحاد ومنازلها الجزئية ومقاماتها الكلّية ، فلا تقف في منزل ومقام وشعبة وأصل من شعبها وأصولها ومنازلها ومقاماتها ، وجل فيها إلى أن تبلغ إلى غاية تنتهي بك قابليتك واستعدادك ، ولا تمل إلى قوم أفنوا عمرهم في الوسيلة واشتغلوا بها عن المقصود .
وجل في فنون الاتّحاد ولا تحد إلى فئة ، في غيره العمر أفنت يقال : حاد الشيء عن الشيء يحيد حيدة وحيودا ، بمعنى : أعرض عنه ، ولمّا كان الحيد يتضمّن معنى الميل عداه بحرف تعديته ، وهو إلى ، والفئة : الجماعة الكثيرة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في جوائجهم من الفيء والفياءة بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة ، ومنه الفيء وهو الظلّ الراجع . يقول : لما تحقّقت بواسطة الحبّ وأثره وحكمه الظاهر فيك بحقيقة الوصل وبدا لك أنواره وظهر وغلب عليك أحكام وحدته الحقيقية المعبّر عن ذلك الظهور والغلبة بالتحقّق بمقام الاتّحاد حتى جرّ ذيلك بالوصل ووحدته على أعلى مراتب اللّطافة والبساطة الخلقية ، وحينئذ انتهى سيرك إلى حضرة محبوبك بقي عليك السير فيها ، وذلك هو التحقّق بأسمائها وصفاتها الكلّية والجزئية من وجه ، وهو المعني بالجولان في فنون الاتحاد ، فلا تغفل عن هذا السير فيها ولا يسكنن سورة طلبك وحرارة توجّهك بمجرد الوصول إلى مبدأ مراتب الوصل وحقيقة الوحدة التي هي مقتضاه ، والتحقّق بمبدأ مقام الاتحاد بل تشمّر للسير فيها بالجولان في فنون الاتّحاد . واعلم أن لفضاء عالم الاتحاد فنون وشعاب متنوّعة بعضها كلّية ، وهي مقاماته ، وبعضها جزئية وهي منازله .