تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
واندراجها في حقيقة العلم المتعلّق بالمعلومات ، وغاية هذا المعراج الترقّي إلى حضرة الجميع لجميع الأسماء المتعلقة بالاسم الباطني . والمعراج الثالث الذي هو غاية المعاريج بالنسبة إلى سير السائرين ما عدا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، هو الترقّي من قيد كثرة حكم الظهور والبطون إلى إطلاق جمع الهوية بينهما المعبّر عنه بمقام قاب قوسين ، وجمع الجمع الجامع بين جميع صور نسب الواحدية من كونها صفات ثابتا فيها حكم التغاير والتضاد ؛ لكونها صفات ، فصاحب مقام أو أدنى ، لا بدّ له من الرحلة عن مقام قاب قوسين وشهود النسب فيه صفات متغايرة إلى مقام أو أدنى وشهود النسب فيه عين الذات وارتفاع أثر المغايرة بينهما ، وانتفاء حكم الضدّية بين نسبة الحبّ ونسبة القلى ؛ فلا جرم قال : حيث ارتحلت عن غاية معراج الاتحاد ، يعني : عن مقام جمع الجمع وقاب قوسين جاوزت حالتئذ حدّ العشق المفهوم المتعارف الذي يضادّه البغض والقلى حتى صارت نسبة الحبّ ونسبة البغض عندي وفي شهودي شيئا واحدا ، بلا مضادّة ولا مغايرة بينهما لكونهما عين الذات . قلت : وحيث ذكر تجاوزه عن مفهوم الحب المتعارف الذي يضادّه البغض بتطلّعه إلى حضرة أحدية الجمع المختصّة بالحضرة المحمّدية صلّى اللّه عليه وسلّم وفهمه خواص تلك الحضرة وأحكامها ، شرع في الكلام بطريق الإرشاد منبّها للمسترشد بأنك لا تعتقد بتركي وإعراضي عن هذا الحبّ المفهوم أنه مقام نازل ، بل هو من أعلى المقامات وما وصلت إلى ما وصلت إلّا به ، فاجتهد أن تتحقّق به وإذا صحّ لك التحقّق بمبدئه ومنتهاه فطيب نفسك فإنك سدت به من هو أعلى قدرا ومنزلة واجتهادا في العبادة من سائر عباد اللّه في كل أمّة من الأمم من عوام العباد من أهل الإسلام ، وحقّ لك أن تفتخر بالحبّ على كل من عمر مرتبة النسك والعبادة ، وخرج عن كثير من أحكام الرسم والعادة بتخلية نفسه وتزكيتها عن الرذائل وتحليتها بحلية كريم الشمائل ، وأن تجوز مفتخرا بالحبّ على كل مثقل بأحمال الأعمال وبثقل نقل العلوم الشرعية والأخبار النبويّة النقلية والأحكام الحكمية العقلية ، وذكر هذا المعنى في هذه الأبيات الثلاثة :
فطب بالهوى نفسا ، فقد سدت أنفس ال عباد من العبّاد ، في كلّ أمّة قوله : طب ، أي تلذّذ واجعل نفسك متلذّذة بالحب المفهوم المتعارف عندك وعند أهله ، وقوله : سدت ، أي صرت سيّدا متولّيا للسواد ، أي الجماعة الكثيرة ،