أهل مملكته محكوما ومطيعا لأوامره ونواهيه وغالبا على مخالفيه ، وحيث لم يصل المدد إلى العشاق إلّا بواسطة متابعتي بحكم قوله تعالى :
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : الآية 31 ] أصبحوا كلّهم رعيّتي ، وأيضا لما لم يخل عشقهم من أثر المناسبة الصفاتية لكون الحبّ في مراتبهم جميعهم ، أعلاهم وأدناهم ، صفة للمحبّ لا عينه ، وعشقي هو حكم المناسبة الذاتية لكون الحب في مرتبتي التي هي أحدية الجمع ، ومقام أو أدنى المعبّر عنه بكان اللّه ولم يكن معه شيء ، ولا شيء معه ، هو عين الذات لا صفة زائدة عليها ، فإن من حكم مرتبتي هذه أن يكون الحبّ والمحبّ والمحبوب عينا واحدا ، والصفة كما تعلم تابعة للذات ومستمدّة في الظهور والتحقّق منها ، ومحتاجة في الظهور والثبوت إلى إمداد الذات إيّاها ؛ كما أن الرعية محتاجون فيّ بقلبهم على وجه كامل إلى الملك ، فكان العشاق كلهم رعيّتي بهذا الاعتبار .
فتى الحبّ ، ها قد بنت عنه بحكم من يراه حجابا ، فالهوى دون رتبتي
فتى الحب ، أي : صاحب الحبّ وملازمه وأهله ، وها : أي احضر لما أبيّنه لك ، وبنت عنه ، أي : تركته وفارقته لكن لا مطلقا ، بل بحكم من يشهده حجابا لأن في مرتبته وشهوده بحسبها وحكمها لا يظهر الحبّ إلّا من كونه صفة للمحبّ لا عينه ، والصفة حجاب على ذات الموصوف وعينه لا محالة ؛ فلا بدّ لأهل مرتبة التجلّي الظاهري وأهل مرتبة التجلي الباطني ، وأهل مرتبة جمع الجمع بينهما ، ومقام قاب قوسين أن يشهدوا الحبّ كلهم صفة ، فإن مرتبتهم تحكم عليهم بذلك ، وبأن يشهدوا الحبّ من جهة أنه صفة المحبّ لا عينه وذاته ضدّا مغايرا للبغض والقلى لتحقّق حكم الضدّية والمخالفة والمغايرة بين الصفات .
ألا ترى إلى أجل أكابر أهل مقام جمع الجمع الذي هو المرتبة الثانية الألوهية ، وهو الشيخ أبو سعيد الخراز رضي اللّه عنه أنّه لما كان في مشهده الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية صفات كيف حكم بكونها أضداد حين سئل : بم عرفت اللّه ؟ فقال : بجمعه بين الأضداد ، ثم قرأ
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : الآية 3 ] ؛ فلا جرم جميع أصحاب المراتب من الجمع الظاهري والجمع الباطني وجمع الجمع كلّهم يشهدون الحبّ صفة بحكم اقتضاء مراتبهم ذلك ، فيرونه حجابا على عين الذات وحيث يراه صاحب مقام أحدية الجمع أو أدنى ، والمرتبة الأولى عين الذات ، فإن مرتبته تحكم بهذا بموجب « كان اللّه ولا