اللّه عند بدلالة قوله : سوى فتى ، لقوله : لا فتى إلّا عليّ ، وبدليل أنّه كان مظهر ولايته صلّى اللّه عليه وسلّم حين انشقّ قمر نور الولاية والنبوّة المندرج أحدهما في الآخر حيث غلب نور النبوّة وختم ظهوره به ، فكان مظهور نور ولايته صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا رضي اللّه عنه ، ولهذا كان إمام الأولياء المحمديّين كلهم أوصلهم ومنشأ انتسابهم إلى الحضرة المحمدية ، فكان له من هذا الوجه نصيب من هذا المقام المحمدي ، وإنما سمّي عليّا غيرا من حيث تفرّده صلّى اللّه عليه وسلّم بنور النبوّة واختصاص حقيقته به دون عليّ رضي اللّه عنه .
واعلم أن هذه الأبيات الثلاثة بلسان الترجمانية والحكاية عن المقام المختصّ بالحضرة المحمدية صلّى اللّه عليه وسلّم لا غير ، وذلك باعتبار فهمه شيئا من أحكام هذا المقام واستنشاق نسمة من شذاه بطريق الاستشمام ، وهو بمعزل عن حقيقته ، والسلام .
فلا تعش عن آثار سيري واخش غي ن إيثار غيري ، واغش عين طريقتي
يقال : عشوته : قصدته ليلا ، وعشوت إلى النار : استدللت عليها ببصر ضعيف ، وإذا صدرت عنه إلى غيره ، قلت : عشوت عنه ، ومنه قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
( 36 ) [ الزّخرف : الآية 36 ] ، أي :
ومن يعرض وهو المراد في البيت ، واغش : أمر من الغشيان ، وهو الإتيان .
يقول : وإذا عرفت بما تقدم من البيان أن مقامي أعلى المقامات ، فلا تمل عن آثار قدمي في السير بحسن متابعة شريعتي وطريقتي التي سلكت فيها وبان لك خبرها بأخبار الكتاب والسنّة ، واخش - يعني خف - لما عرفت علوّ مقامي وعظمة منزلتي حجاب اختيار متابعة غيري في حكم ما من الأحكام أو وصف من الأوصاف ، فإن ما عدا طريقي لا يخلو من قيد ما من القيود الأسمائية والصفاتية ، فإذا تبعته في أمر لا بدّ وأن يسري منه إليك أثر من قيوده ، ويحدث من ذلك حجاب ، فلمّا لم تقدر أن تتخلّص منه فإيّاك وذاك الميل وادخل في عين طريقتي وجادتها واسلك فيه ترد عليّ وتلحقني في حقيقة جمعيّتي وسوائيّتي ، أشار بقوله :
واخش غين إيثار غيري ، إلى ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ذات يوم جزءا من التوراة بيد عمر رضي اللّه عنه ، فنظر إليه نظر مغضب ، وقال : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي » « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .