أشار بمعنى هذا البيت إلى ما ورد في بعض الإخبارات أن موسى عليه السلام لمّا تعرّض لرؤية حقيقة الذات من حيث نفس تعيّنها الذي هو مسمّى جميع أسماء الضمائر نحو أنا وأنت ونحن وكاف الخطاب وتائه والياء في مني ومدلولها إذا لم تكن قرينة بقيدها بحضرة اسم أو مرتبة حقيقة ، فكأنه قال : أرني أنظر إليك من حيث تعيّنك الأول من ذاتك ، ولما لم يكن له استعداد ذلك ؛ لأن رتبة حقيقته ووجوده دون هذه الرتبة المختصّة بالحضرة المحمدية ، قيل له : لن تراني ، وبعد إفاقته من الصعقة خوطب « بأن ليس ذلك لك ذاك ليتيم يأتي بعدك » ، فلما فهم الخطاب أقدم على الندم والتوبة عما تعرض له ، وقال بلسان الحال والمقال :
« سبحانك » ، يعني من أن يصل إليك ويحظى برؤيتك من حيث أعلى مراتبك إلّا من ارتضيته وخصصّته لذلك تبت إليك عما تصدّيت لما ليس لي وأنا أوّل المؤمنين بتخصيص محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا المقام الأعلى والمطلب الأولى ، ولما اختص صلّى اللّه عليه وسلّم بوصف كونه يتيما حين خوطب بقوله تعالى :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً
[ الضّحى : الآية 6 ] ، أي متوحّدا بكمال القابلية منفردا بانقطاع نسبتك عمّا سواه ،
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
( 6 ) [ الضّحى : الآية 6 ] يعني : فآواك إلى حضرة أحدية الجمع التي هي المقام المختصّ بك وبحقيقتك أولا وآخرا ؛ لا جرم في قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
[ الأنعام : الآية 152 ] إشارة إلى قطع تعلق غيره عن هذا المقام المختصّ به صلّى اللّه عليه وسلّم باعتبار أن المال إنما سمّي مالا لميل النفوس بحكم الجبلة إليه ، وهذا المقام من جهة أنه أصل جميع الكمالات ومنبعها ومرجعها تميل الأرواح والأسرار إليه ، فكنى عنه بهذا الاعتبار بالمال .
وما نال شيئا منه غيري سوى فتى ، على قدمي ، في القبض والبسط ، ما فتي
ما فتىء : مهموزا ، وما انفكّ وما برح وما زال بمعنى واحد ، يعني : كان ثابتا دائما .
يقول : ما أدرك من هذا المقام شيئا ، أي أثرا من آثاره وشعلة من أنواره غيري إلا فتى ، أي : ذا طراوة في الأخلاق والأفعال والأقوال والأحوال وكمال الاستعداد كان ملازما على متابعتي ومقتفيا أثر قدمي حقّ المتابعة والاقتفاء فيما يتعلّق بحال قبض حجابيّته من الأخلاق والأفعال والأقوال ، وفيما يتعلق بحال بسط كشفه وشهوده من التمكّن في الأحوال بحيث لم يبد منه في حال بسط انبساط وترك أدب وشطح وقول أو فعل يخالف ظاهر شريعتي ، وكأنه يريد به عليّا رضي