تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقوله : صونا لموضع حرمتي ، يعني : هذا البحر الذي ذكرنا من جهة أنها وحدانية وحدة حقيقية لا تميّز في نسب واحديتها ولا كثرة ولا غير ولا غيرية ولا غلبة ولا مغلوبية فيها أصلا ، بل نسبة جميع النسب إليها نسبة واحدة بلا تميّز ولا تعدّد لم يكن لها حقيقة إلّا نسبة حقيقة السوائية الحقيقية ، وما هي إلا حقيقة الحقائق التي هي الحقيقة الأحمدية باعتبار أولية تعينها ، والمحمدية باعتبار آخريته عند رجوعها إلى مقرّها ، فهذا البحر - أعني مرتبة هذه الحقيقة - هي حريم حرمة هذه الحقيقة الأحمدية المحمدية حرام على غيرها من حيث غيريّته أن يخوض فيها لأجل صيانة حريم حرمتها ورعاية حشمة ما يختص بكرامتها ، فالناظم إنما هو مترجم مقام مظهر هذه الحقيقة صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويذكر الخوض فيها على لسانه . وأمّا ما نقل عن سلطان العارفين أبي يزيد البسطامي رضي اللّه عنه ، أنّه قال : خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله ، فمعناه غير ما ذكرنا من معنى البحر وساحله ، بل أراد بالبحر بحر الولاية ، وبالساحل ساحل النبوّة ، فإنّ الأنبياء يغترفون من بحر الولاية ويسقون أممهم شراب الهداية منها ، ولو لم يكن وقوفهم بالساحل لهلكت الأمم في تيه الغواية ، فهم أبدا يجمعون بين أحكام البحر والغوص والخوض فيها واستخراج درر علوم الشريعة والطريقة والحقيقة منها ونثارها على أممهم ، وبين أحكام الساحل والبرّ واستخراج كنوز المعاني والأسرار من مكامن الصور والآثار واستنباط أعين الكمالات والاعتدالات من معادن الإمكان ونقصان الكثرات والانحرافات والاستحالات وصرفها في نفوس متابعيهم وفي هممهم . وأمّا الأولياء ، فهم المستغرقون في أمواج البحر دون استخراج الدرر ، والمشغولون بأحوالهم ومكاشفاتهم ومشاهداتهم في البحر وأمواجه عن لطائف ما في أطراف الساحل وأكناف البرّ وكثرة تنوّعات جواهر الكمالات المستجنّة فيها وعن طرق استخراجها ، فالأنبياء في الساحل كانوا حائزين للفضيلتين والفائزين بكلا الحسنيين ، فبان بذلك فضل الأنبياء على الأولياء .
ولا تقربوا مال اليتيم ، إشارة لكفّ يد صدّت له ، إذ تصدّت الكفّ : المنع ، وصدّت : منعت ، وتصدّت : تعرّضت ، واللام في له حرف تعدية تصدت ، والضمير راجع إلى القرب أو إلى المال .