تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
والفلاسفة أن المورد العذب الهنيء النافع الذي لا يشوبه مضرّة ووخامة ، وكدورة من الشبهات والتخيّلات إنما هو أثر وقطرة من ذوق وشرب منبع ذلك الشرب ، والذوق عندي وتختصّ بمشربي ، وهو المفهوم المطابق من الكتاب والسنّة وإشاراتهما الغامضة بلا تأويل عقلي وتقليد ، بل على ما هو الأمر عليه ، والمراد منه : فإن استطعت أن تخوض فيه وتشرب منه وإلّا فدعني من سراب علوم علماء الظاهر وتأويلاتهم ومفهوماتهم التي ظاهرها لأجل الفصاحة وتركيب الدلائل تظهر وتغرّ السامع الغرّ ، فتحسبها شيئا نافعا له ، فإذا فتّش عن حقيقتها لم يجدها شيئا ، ولا تحقيق ولا معرفة فيها ولا طائل تحتها ، وكذلك دلائل الفلاسفة في المسائل الإلهيّة تغرّ ولا تقرّ ولا تذكر عندي مذاهبهم ومقالاتهم ودلائلهم ، ولا تلتفت إلى ذلك أصلا تفز فوزا عظيما .
ودونك بحرا خضته ، وقف الألى بساحله ، صونا لموضع حرمتي الألى ههنا مقلوب من الأول ؛ لأنه جمع أولي منك أخر وأخرى ، ومنه قولهم : ذهبت العرب الألى ، وصونا : منصوب على المفعول له متعلق بوقف ، ودونك : نصب ما بعده لتضمّنه معنى خذ . هذا البيت ينبئ عن شروعه في السفر الرابع ، وأشار بالبحر إلى حضرة أحدية الجمع المختصّة بالحقيقة الأحمدية والمحمدية ، وأشار بقوله : خضته إلى مبدأ خوضه في هذا البحر وفي السفر الرابع ، وبقوله : وقف الأوّلون بساحله ، يشير بالساحل إلى حضرة جمع الجمع ومقام قاب قوسين ، وظاهره حضرة الألوهية التي هي غاية جميع الكمّل والخلفاء وأولي العزم من الرسل ، وهذه الحضرة على غاية جميعتها وبعد غورها وكونها أصل الأبحر السبعة من أصول الأسماء الكلّية الإلهيّة التي لا ينفد مداد كلماتها هي بالنسبة إلى بحر أحديّة الجمع التي يرجع وينتهي إليها جميع الأبحر ساحل باعتبار تميّز الأشياء والأمور فيها وشهودها مفصلا بعضها محكوم عليه بالغيرية ، وبعضها بالعينية على نحو ما يشهد في الساحل هذه التفاصيل ، ويحكم على المغايرة فيها بعضها بعضا دون البحر الذي لا يشهد فيه إلّا البحر وأمواجها بلا مغايرة بينها أمرا وحدانيّا بلا غاية ولا نهاية ، فتكون حضرة أحدية الجمع من جهة شهود الذات الواحد فيها لا غيرها نسبتها إلى كونها بحرا أحقّ ، وحضرة جمع الجمع نسبتها إلى ساحلية هذا البحر أولى بالاعتبار الذي ذكرناه .