باب يتضمن الإشارة إلى مبدأ شروعه في السفرة الرابعة وشيء مما يتعلق بالتوحيد والمعرفة المتعلقين المختصّين بالمقام المحمدي صلّى اللّه عليه وسلّم
منحتك علما ، إن ترد كشفه فرد سبيلي ، واشرع في اتّباع شريعتي
يقول : هذا الذي أبينه وأعطيكه علم عزيز ربما تصل إليه من طريق الفهم من وراء حجب كثيرة أو الحدس ، فإن أردت كشف جميع الحجب الخلقية حتى تصل إلى منبعه وتشاهده في محلّه ، فادخل في سبيلي واشرع في اتّباع شريعتي حقّ المتابعة تنكشف لك جلية الأمر الذي لا تردّد ولا شبهة يتطرّق إليه أصلا ، يحتمل أن تكون إضافة الشريعة من الناظم إلى نفسه بلسان الجمع والترجمانية ، ويريد بقوله : « فرد سبيلي » ما أريد به في قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
[ يوسف : الآية 108 ] ، وبقوله : « شريعتي » شريعة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بحكم
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : الآية 31 ] ، وحضرة المحبّة الحقيقيّة هي منشأ جميع المكاشفات والمشاهدات ومنبع عين اليقين وحق اليقين .
فمنبع صدا من شراب ، نقيعه لديّ ، فدعني من سراب بقيعة
صدا : مورد ماء في العرب يضرب المثل به لعذوبته ، فيقال : ماء ولا كصدا ، ولا كالسعدان وهو نبت ذو شوك يسمن الإبل في مرعاه ، والنقيع : البئر الكثيرة الماء ، والسراب : اللامع في المفازة كالماء ، وذلك لانسرابه في مرأى العين ، وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة ، والقيعة : واحدة القيعان ، وهي اسم للصحراء الواسعة ، وقوله : من شراب خبر المبتدأ ، ونقيعه لديّ جملة اسمية وقعت موقع صفة لشراب .
يقول معلّلا لمعنى البيت السابق الذي حاصله أمر باتّباع شريعته ، والورود في سبيل هداه وطريقته لكشف حقيقة علم منحه لمتابعيه ، ونهى عن متابعة غير ممّن يدّعي التحقيق في العلم والمعرفة الحقيقة نحو علماء الظاهر من الأصوليين