وغير النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ممن حضره من الصحابة رأى رجلا لديه يرعى جانبه لصحبة له ثابتة مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك الرجل هو دحية الكلبي رضي اللّه عنه .
ولي ، من أتمّ الرّؤيتين ، إشارة ، تنزّه ، عن رأي الحلول ، عقيدتي
يعني : لا شكّ بأن رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وحكمه بأن المرئيّ لم يكن إلّا جبريل عليه السلام أصحّ من رؤية غيره ، وحكمه بأن المرئي دحية ولم يكن دحية حاضرا في ذلك المجلس لا فيه ولا بعده ، بل كان في منزله ، فلي في هذا إشارة إلى صحة مدعائي الذي هو نفي الحلول وتنزّه تلك الإشارة عقيدتي عن رأي الحلول ، فإنه لما جاز ووقع أن يكون لملك مخلوق قدرة التلبّس بأي صورة شاء ، بلا معنى الحلول فيه يصح أيضا أن يتلبّس الحق تعالى بصورتي بفناء أنانيتي بالكلية ، وإن تعللت بعدم جواز تلبّسه بالصورة وعلّلت بتنزيهه عن ذلك التلبّس منعناك ورددنا تعليلك بالكتاب والسنّة .
وفي الذكر ذكر اللّبس ليس بمنكر ، ولم أعد عن حكمي كتاب وسنّة
في الذكر ، أي : في القرآن ذكر اللبس ، أي ذكر تلبّس الحق تعالى بالصورة ليس بمردود غير مذكور ولا معروف فيه ، بل هو ثابت مذكور معروف موضعه في القرآن العزيز ، ولم أتجاوز في تقريري عن حكمي الكتاب والسنّة .
أمّا الكتاب ، فقد ذكر في قوله عزّ وجلّ :
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ النّمل : الآية 8 ] ، يعني من أن يكون منحصرا ظهوره حالتئذ وقبله وبعده في ذلك التلبّس وفي غيره من الصور وغير الصور ، وأيضا في قوله عزّ وجلّ :
أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ
[ النّمل : الآية 9 ] من حيث كنه غيبه وهويته الممتنع إدراكه الحكيم من حيث ظهوره على مقتضى حكمته حيث يشاء ، وأيضا قوله عزّ وجلّ :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 30 ) [ القصص : الآية 30 ] ، وإذا جاز تلبّسه بصورة الجماد ، فبصورة الإنسان أجمع وأولى عند فنائه عن تعيّنه وتشخّصه ، على أن ذلك أيضا ورد صريحا في قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : الآية 17 ] .