تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ثم شرع في تحقيق ما ادّعاه من نفي مذهب الحلول عنه وعن أهل الحقّ كلّهم ، وأورد حديث ظهور جبريل عليه السلام للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة دحية الكلبي « 1 » رضي اللّه عنه دليلا على صحة دعواه ، ويقول : كان في حال ظهور جبريل عليه السلام عند أداء الوحي بصورة دحية ، كان دحية في منزله ، وجبريل عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم يرى جبريل عليه السلام يؤدي الوحي وغيره من الصحابة يرى دحية يراعي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حقّ صحبته ، فلو كان ظهور جبريل على صورة دحية عند آداء الوحي بطريق الحلول لكان دحية في تلك الحالة غائبا عن منزله ، ويرى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كليهما في حالة واحدة ، لكن دحية في تلك الحالة كان في منزله ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يرى إلّا جبريل في صورة يؤدي الوحي على خلاف ما يراه غيره أنه دحية ، ففي أصح الرؤيتين وهو رؤية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن المرئي جبريل في صورة ممثلة « 2 » لا دحية « 3 » دلالة يشير إلى نفي اعتقاد الحلول عني وعن جميع أهل الحقّ ، فإن جبريل عليه السلام منزّه عن الصورة الحسّية ، فإذا صحّ أن يظهر حيث شاء ، وفي أي صورة شاء ، فمشيئة اللّه أولى بالإطلاق عن قيد الصورة وقيد عدم الصورة بحيث يظهر إن شاء في الصورة ، وإن شاء في غير الصورة من غير حلول ولا تشبيه أصلا ، ولا يكون ظهوره ومشيئته تعالى وتقدّس مقيّدا ومنحصرا حال ظهوره في الصورة بها وفيها ، ولا مقيّدا حال ظهوره في غير الصورة بغير الصورة ، ولا منحصرا في غير الصورة ، بل يكون جامعا لم يزل ولا يزال بينهما مع عدم انحصاره في مفهوم ذلك الجمع أيضا ، وهذا المعنى يذكره في خمسة أبيات . فإن قلت : إنه منزّه عن الصورة والتلبّس بها بدلائل عقلية . قلت : لا نسلم أنه منزّه عن التلبّس بالصورة ، بل هو منزّه عن التقيّد بها والانحصار فيها ، والكتاب والسنّة ناطقان بالتلبّس بالصورة . أمّا الكتاب ، فقوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 8 )
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ، فصل في العمائم ، حديث رقم ( 6257 ) [ 5 / 175 ] ونصّه : عن عائشة أنها قالت : رأيت رجلا يوم الخندق على صورة دحية بن خليفة الكلبي على دابّة يناجي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعليه عمامة قد أسدلها خلفه فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه قال : « كان ذلك جبريل عليه السلام أمرني أن أخرج إلى بني قريظة » . ( 2 ) ممثلة لصورة دحية . ( 3 ) لا دحية الحقيقي لأنه كان في منزله وهذا ينفي الحلول أي حلول حقيقة جبريل في جسد دحية .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 396 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني