استيفاء الحظوظ والزوائد التي لا ضرورة في تناولها ، وفي الترك توسع عظيم يكاد أن لا ينحصر ، فكلّما طلبت النفس حظّا زائدا على ما هي محتاجة إليه احتياجا ضروريّا وأرضيت بترك ذلك الحظّ الزائد على احتياجها ، فقد أنفق عليها من كنز الترك والرّضا به ، فلا يزال المنفق معطيا مما لا ينفد ولا يفنى بالإنفاق والإعطاء ، وهو الترك والرضا به والاكتفاء باليسير أمر تتفاوت الناس فيه ، فقد سمعنا أن خلقا كثيرا في كفار الهند وهم الجوكية اكتفوا كل أسبوع بحبّة واحدة من الباقلاء ، ويعيشون على ذلك برهة من الزمان ، وكل ما سوى تلك الحبة تركوه وأنفقوا على نفوسهم من كنز ذلك الترك الذي لا نهاية له ولا فناء بالإنفاق .
وهذّبت نفسي بالرياضة ، ذاهبا إلى كشف ما ، حجب العوائد ، غطّت
ورجعت من مقامي الأعلى الذي هو جمع الجمع والنهاية إلى أنزل مقامات البداية ، وهو الاشتغال بتنقية نفسي عن أحكام انحرافاتها وإخراجها عن مقار عاداتها بالرياضة ، أعني بقطع مألوفات طبعها عنها ومنع مشتهياتها ومراداتها والتفاتاتها بالكلية حال كوني ذاهبا في نهج الطريقة إلى كشف حجب العادات المغطية على عجائب علوم عالم الملكوت وأحكامه وأحواله وأسراره وفهم جميع ذلك لينكشف لي جميع ما ذكرت بتلك التنقية المذكورة .
وجرّدت ، في التجريد ، عزمي تزهّدا وآثرت ، في نسكي ، استجابة دعوتي
ورجعت من أعلى مقامي إلى أنزل منزلي بداياتي ، أحدهما تجريد العزم عن جميع ملابس العلائق والعوائق من التطلّعات والالتفاتات الخارجة عن ذاتي ، كالذات الوهمية مثل الجاه والمال والأملاك والحشمة والداخلة فيها من اللذّات الحسّية نحو المأكل والمشرب والملبس والمنكح ، وذلك التجريد لأجل حمل النفس على التحقّق بحقيقة مقام الزهد . والمنزل الثاني اختياري وقصدي في ملازمة جميع أنواع العبادات أن يحصل لي مقام استجابة الدعوة ، يعني اعلم اسم اللّه الأعظم الذي لا يدعو اللّه به أحد إلّا استجيب له بحيث إنه كلما اعترتني أو غيري من المحتاجين حاجة دنيوية أو أخرويّة أدعو اللّه تعالى باسمه الأعظم ، أطلب تلك الحاجة فتستجاب دعوتي ، وهذا هو أعلى ما تتعلق به همم أهل النسك والعبادة ، ومنتهى بغيتهم من الحقّ في الدنيا لا تجاوز ولا ترقي لهممهم عن هذا ، وهذا نقص عظيم بالنسبة إلى أهل السير إلى اللّه ، وعلّة مانعة لهم عن