بمقام الورع الذي لا يعدل به شيء ؛ كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يعدل بالرعة شيء تحمله على ذلك » « 1 » ، وهو المعنيّ بقوله : تورّعا ، أي لأجل حصول الورع .
وقوله : وراعيت في إصلاح قوتي قوتي ، يحتمل وجهين ، أحدهما : راعيت فيه قوة النفس والمزاج ، أي لا أتناول من القوت إلا مقدار ما تحفظ به قوّة النفس والمزاج ، ولا تضعف عن أداء واجب العبادات ، فأتناول حق النفس لا حظّها ، وهذا هو عين القناعة المذكورة في البيت التالي .
والوجه الثاني : راعيت فيه قوة القلب برعاية حكم العدالة الذي يتضمّنه حقيقة الأوامر والنواهي الشرعية ، فإن ما عدا حكم الشرع منحرف عن سواء سبيل الحقّ والقوت يصير جزءا للصورة والمزاج ، فإذا كان منحرفا يسري حكم انحرافه في سائر البدن وجميع قواها ، وبذلك تقوى النفس الأمارة وتنفتح مجاري الشيطان الذي هو أصل الانحرافات ، وبقوة النفس والشيطان يضعف القلب والروح والروحانية .
أمّا إذا روعي في القوت حكم عدالة الشرع يعتدل المزاج اعتدالا معنويّا ، وينسد بذلك مجرى الشيطان ، فإن المنحرف ما له طريق نفوذ في المعتدل ، فلهذا قال : راعيت في إصلاح قوتي وتدقيق الفكر في وجوه حلّه حفظ قوّة قلبي وعدالته ، فكأنه يقول : التزمت نقصان رجوعي إلى مقام الورع ووسطه الداخل في مقام الزهد .
وأنفقت من ستر القناعة ، راضيا من العيش ، في الدنيا ، بأيسر بلغة
البلغة : اسم لما يتبلّغ به من العيش .
يقول : والتزمت نقصان الرجوع إلى مقام القناعة والنفقة من يسار كنزها الذي لا يفنى حال رضائي من الذي يعيش به الإنسان في الدنيا بأدنى ما يتبلّغ به من القوت ويقيم صورته ، وذلك هو حقّ النفس لا حظّها ، وإنما قيل : القناعة كنز لا يفنى ؛ لأن حقيقة القناعة ومعناها الاكتفاء بيسير مما يحتاج إليه ، وذلك يتضمّن ترك
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في سننه برقم ( 2519 ) [ 4 / 669 ] ونصه : عن جابر قال : ذكر رجل عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعبادة واجتهاد وذكر عنده آخر برعة فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تعدل بالرعة » . والرعة : الهدي وحسن الهيئة أو سوؤها . والرعة : الورع .