تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وثانيها قول بعضهم : إن الواردات ثمرة الأوراد ، يعني بشرط أن تكون خالصة غير معلولة ، فيفهم المبتدىء أنه ينبغي أن يواظب على الأوراد لأجل حصول الواردات ، والوارد : هو ما يرد على السالك من الخواطر المحمودة والإلهامات بما يكون منهم وقته ويعقبه ثلج في الصدور وراحة ، وإن كان في وقت الورود يعتريه زحمة وألم . وثالثها ما ذكره شيخ الإسلام عبد اللّه الأنصاري الهروي رحمه اللّه في شرط تصحيح البدايات من مجانبة كل صاحب يفسد الوقت ، فالبيت الأول والمصراع الثاني من الثاني ، وعجز الثالث يتضمّن الأصل ، والأول المصراع الأول من الثاني يشتمل على الأصل الثاني ، وباقي الثالث يتضمّن الأصل الثالث . ثم إن تحقيق الأصل الأول من شرطه أن لا يكون كل واحد مما ذكرنا معلولا بعلّة نفسانية مثل الرغبة والرهبة والتطلّع إلى شيء غير المطلوب الحقيقي الحقّ . والسالك إذا كان الغالب عليه أحكام البداية ، لا بدّ من أن يتطلّع نفسه إلى العلل ما دام في حال البداية ، وغرض الناظم التزام النقص مع بيان مبنى أسباب الكمال ؛ لا جرم علل كل واحد من الخصال المذكورة بعلّة رغبة أو رهبة ، أو الاشتغال بالعمل بعلّة الوارد أو الصمت لكونه طريقا حسنا ، والاعتكاف لأجل رعاية حرمة الشهر أو المكان أو قول أصحاب الطريق . فيقول : التزمت الرجوع قهقرى من أعلى درجات أقسام النهاية إلى أدنى دركات أحكام البداية ، ثم اعلم أنه ذكر من البيت الأول إلى آخر البيت الثاني من الأبيات المذكورة من مقام التوبة وفروعها ، ومن البيت الثالث شرع في فروع مقام الزهد إلى آخر الشروط .
ودقّقت فكري في الحلال ، تورّعا وراعيت ، في إصلاح قوتي ، قوّتي تدقيق الفكر في الحلال أن لا يقتصر في طلبه بمجرد أن الأصل في الأشياء الحلّ ، إلّا أن يقوم دليل الحرمة ، بل ينظر في وجوه حصوله ، وأصل تعيّنه أن لا يشوبها شبهة ظلم وانحراف ، وتناول بغير حقّ على نحو ما قال الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : إني لأدع سبعين بابا من الحلال مخافة أن أقع في الحرام ، وهذا الاستقصاء وإن كان غير لازم في ظاهر الشرع لكن حمل النفس على أن تتحقّق