تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
يصل إليّ من غيري ، ففصل هذه الأقسام الأربعة في هذين البيتين في البيت الأوّل ذكر الحسيين ، وفي الثاني ذكر الوهميين فقال : اشتراطي وعهدي على عدم الرجوع عن دعواي ، أي عن القول بالاتّحاد ، ونفي الحلول لم يكن لأجل أن تخوّفت نفسي من أن يلحقها ضرر من غيري بسبب نسبة هذه العقيدة السخيفة إلي ولا أنها ترجت خيرا حسيّا دنيويّا يأتيني من غيري بسبب نفي هذا الاعتقاد الباطل عني ، ولا لأجل الخوف من أن يعتريني مذلّة من سقوط منزلة وضعة جاه ورفعة ذكر بنسبة هذا الاعتقاد إليّ ، ولا لأجل أن تقصد نفسي في نفي ذلك عنها إلى عزّ إقبال وقبول من الخلق ، ولكن يحملني على نفي اعتقاد الحلول وإثبات معنى الاتّحاد على الوجه الصحيح دفع بشنيع أضداد العلماء باللّه المخالفين لهم على هؤلاء الأولياء للّه الذين قصروا هممهم على إعانة خلق اللّه في قضاء حوائجهم ورفع العوائق عنهم بالهمّة والدعاء ، وبالفعل أيضا بقوّة ربانية أعطاني اللّه إيّاها وأنا أمدّهم بها وأعينهم بتلك القوة على إعانتهم عباد اللّه ، وهذه الفرقة من الظاهرين يشنعون عليهم باعتقاد الحلول ويرمونهم بالزندقة والبطالة ، فأنا أثبت دعوى الاتحاد ونفي الحلول ردّا عليهم ودفعا لتشنيعهم ، لا لرغبة ورهبة لي متعلقة بذلك ، وأول الشرط والعهد هذا البيت :
رجعت لأعمال العبادة ، عادة ، وأعددت أحوال الإرادة عدّتي لأعمال : أي إلى أعمال ، وعادة نصب على المفعول له . يقول : رجعت قهقرى من أوج درج النهاية إلى حضيض دركة التلبّس بأحكام البداية التي أولها القيام في مبدأ مقام الإسلام بأعمال العبادة ورعاية الأمر والنهي لأجل العادة التي تعوّدتها مما رأيت من أهل البلد ، ثم أهل المحلّة ، ثم الأقارب ، ثم الأب والأم والمداومة عليها من غير أن أعرف حقيقة المقصد وسرّ وضعها ، وهذا مبدأ مقام الإسلام الذي به يحقن الدم ويصان العرض والمال عن التلف ، ثم يترقّى منه السالك إلى أن يتنبّه عن نومته فيقوم طالبا للّه ومريدا لمن يرشده إليه ، فيأمره المرشد التحقّق بحال الزجر والإنابة والمحاسبة والرياضة ونحو ذلك ، فيقوم بجميع ما يأمره ويتحقّق به من أمثال هذه معتقدا أن ذلك يكون عدّة له وآلة في الوصول إلى مطلوبه غافلا عن دقيقة أنه لا يوصل إليه إلّا به ، وهو معنى قوله : وأعددت أحوال الإرادة عدّتي ، وهذا مبدأ مقام التوبة وبعض أحواله ؛ كأنه يقول : رجعت من حضرة جمع الجمع إلى مبدأ مقام التوبة .