تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
دونهم ، فيتعوّق قليلا فتكون حجبهم شفافة ، وذلك بأن يتنزّل الوجود إلى السماوات ، فتجد تشكّلاتها متناسبة معتدلة ، فينصبغ الوجود بحكم العدالة ويصير ذلك سببا لصدور أفعال منه وأقوال لا يحدث حجابا ، وإن أحدث يكون شفّافا ، وهذا الأمر - أعني قلة التعويق - ووجدان التشكّلات متناسبة معتدلة تقع في كل مدة زمانية ، وإذا وقع تكون حجب نفس ذلك الشخص شفّافة رقيقة ، فيصلح أن يكون نفسه وقلبه محلّا لظهور الحبّ وأثر المناسبة الصفاتية منه ، فلهذه العلّة تبدو حضرة المحبوب بجمالها المطلق لمثل هذه الأشخاص على حسب هذه الأوقات التي تقتضي أن يظهر وجوده بتعويق قليل أو بلا تعويق من وراء حجاب هيئة حسنة حسّية ، فيصير قلبه محلّا للحب الصفاتي ، وتخفى في كل مدة من الزمان لعدم محل مناسب لقبول ظهورها وقيام الحب الصفاتي بقلبه ، فاعلم ذلك .
ويظهر للعشّاق في كلّ مظهر ، من اللّبس في أشكال حسن بديعة اللّبس : ستر الشيء مصدر ، واستعمله ههنا بمعنى الاسم وهو ما يستر به ، وقيل : الشكل والمشاكلة تستعمل في الهيئة والصورة ، والبديع فعيل يستعمل تارة بمعنى الفاعل نحو بديع السماوات ، أي مبدعها على غير مثال سابق ، وتارة بمعنى المفعول ، نحو قولهم : بئر بديع ، أي مبدع جديد ، ويستعمل فيما يكون منظره معجبا مطبوعا لجدّته ، وهو المراد . يقول : وتظهر حضرة المحبوب بإطلاق جماليتها عند اقتضاء الوقت للعشّاق الذين قلت أو رقّت حجبهم في أصل الفطرة ولطفت قلوبهم ونفوسهم في كل مظهر جميل مما يتستر حسنه المطلق بصورته التي هي الحسن المقيّد ، وذلك الظهور بوصف التستّر إنما كان في هيئة من غاية لطفها وملاحتها ومطبوعيّتها وطراوة جدّتها صارت مضافة إلى الحسن المقيّد ، وعدّت من جملة خصائصه ، بل صارت تلك الهيئات البديعة مجانسة للحسن المطلق ، وإضافتها إليها إضافة النوع إلى جنسه ، كما قيل : خاتم فضّة .
ففي مرّة لبنى ، وأخرى بثينة ، وآونة تدعى بعزّة عزّت عزّت : كلمة تنزيه ، أي : جلّت وعظمت حضرة المحبوب وجمالها المطلق وامتنعت من أن تتقيّد بهذه المظاهر الجميلة أو تحلّ في صورها ، وإنما هذه أسماء ليست وجودها المفاض المضاف إلى حقائق هذه الأسماء ، وتنوّعات ظهور جمالها
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 383 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني