تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
ولمّا كان مرجع الجميع حضرة اسم اللّه لكن أهل قبضة الشمال مرجعهم إليها بوساطة ستر بعض سدنتها ، التي هي القهار والمنتقم وشديد العقاب والجبار إياهم في كنفها ، وبعض أصحاب اليمين كانوا مخصوصين بالرحمة الاختصاصية فيوصلهم بها إلى الحضرة الرحيمية الذاتية بلا واسطة سادن من سدنة اسم الرحيم ، كالغفار والغفور والحليم والعفو والرؤوف ونحوها ، وبعضهم مختصّين بأثر من حكم الأسماء التي هي الوسائط ؛ لا جرم قسمهم في الذكر على قسمين ورتّب أمر رجوعهم إليه على اسمين ، أحدهما ما له ستر الوساطة وهو الغفور ، والثاني : ما له رفع الحجابية والستر وهو الرحيم ، فقال :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
[ النّساء : الآية 96 ] وغيرها ، يعني يدخل من يشاء منهم في ستر اسم معيّن من أسمائه الحسنى ، رحيما يعني يرحم ويوصل من يشاء منهم إلى رحمته الذاتية بلا حجاب وستر من حكم أسمائه وصفاته العليّة . وقوله : ولا ضدّ يصدّ ببغضة ، يعني بلا منع ضدّ من الواشي واللّائم ظاهر في الصورة بينهما يمنع في الظاهر إيّاهما من ظهور أثر الحبّ فيهما بإظهار أثر العداوة بينهما ؛ لأن حكم الجزئية والكلية والفرعية والأصلية الموجب للميل والحب بينهما ظاهر محسوس ، وأثر الملامة والوشاية من نفس وشيطان المستلزم للبغض والعداوة باطن ومتوهّم ، فكان مغلوبا في الابتداء على أن أثرهما قد ظهر بالتفرّق بينهما ، لكن مدة يسيرة لا عن عداوة وبغض حصل بينهما ، فحكم بينهما بل ذلك إنما كان لحكمة توقف الأمر المطلوب الذي هو تمام المعرفة وكمال الاستجلاء على ذلك التفرّق .
وما برحت تبدو وتخفى ، لعلّة ، على حسب الأوقات ، في كلّ حقبة وما برحت : ما زالت من برح ذهب في البراح ، وهو المكان المتّسع الذي لا بناء فيه ، وخصّ ما برح وما زال للإثبات ؛ لأن برح وزال اقتضى معنى النفي ، وما ولا للنفي والنفيان يحصل من اجتماعهما الإثبات والحقّية على الصحيح مدة من زمان مبهمة . يقول : قد ذكرنا أن الحبّ حكم المناسبة ، وأن أحكام المناسبات منحصرة في خمسة أقسام راجعة إلى قسمين : ذاتية وصفاتية ، وذلك عند التنبيه على وجه حصرها ورجوعها في الديباجة ، وأن محل ظهور أصلها وأقسامها لم يكن إلّا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 380 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني