وما ذاك إلّا أن بدت بمظاهر ، فظنّوا سواها ، وهي فيها تجلّت
يقول : وليس ذلك الذي قلت من وصف لبس جمالها المطلق بصورة التعيّن والإضافة وظهوره في حسن صورة حسّية ، إلا أنها أفاضت من عين وجودها الظاهر الذي هو جمالها المطلق شعاعا وفيضا معينا وإضافته إلى بعض صور نسب واحدتها المسمّاة بصور معلومية الشيء في علمها الأزلي التي جعلت تلك الصور مظاهر نسب باطن وجودها ، وأطلقت عليه اسم الغير والخلق ؛ كالروح والملك والعرش والكرسي والسماوات والعناصر والمركبات معدنا ونباتا وحيوانا وإنسانا وبدت بجمالها المطلق من وراء ستائر هذه المظاهر ، وكل من كان مقيّدا بأحكام المراتب الخلقية والغيرية اقتصر إدراكه وفهمه على حكم الخلقية والغيرية من هذه المظاهر والصور ، ولم يتجاوز إلى شهود جماله المطلق الذي هو باطن هذه المظاهر مثل بطون المعنى في اللفظ من غير تشبيه ولا تمثيل ، وكل من أطلق من وثاق التقيّد بأحكام الخلقية وآثار مراتبها شهد ذلك الجمال المطلق ؛ فلا جرم لما كان حال هؤلاء العشّاق المذكورين التقيّد بأحكام المراتب الخلقية حين لاح جمالها المطلق من خلف ستائر هذه الصور الحسنة الحسّية ، مثل صورة لبنى وليلى وعزّة وأمثالها ظنّوا أن الظاهر بتلك المظاهر غير تلك الحضرة في حال تجلّيها الظاهري في حقائق هذه المظاهر وبدوّها بوساطتها في عالم الحسّ لنفسها ، ولمن يستعد لفهمها وإدراكها واختفائها بها لمن لا يستعد لشهودها .
بدت باحتجاب ، واختفت بمظاهر على صبغ التّلوين في كلّ برزة
يقول : بدت حضرة المحبوب بجمالها المطلق في عالم الحسّ والخلق لنفسها من حيث بعض مظاهر كمالها ، ولكل عاشق مستعدّ بفقره ، ولكن بواسطة تلبّسها بلباس الصور الحسّية واحتجابها بذلك اللباس عن كل نظر مقصود إدراكه على عالم الحسّ ، فكان ظهورها في هذا العالم الحسّي باحتجاب ، واختفت بهذه المظاهر الظاهرة عن أعين الأغيار الذين يرون ويعدون هذه المظاهر أغيارا ليتبيّن شرف رتبة العشاق المحقّين المحقّقين الذين أفنوا جميع آثار الغيرية عن ذواتهم على من سواهم ، وهذا الظهور في عالم الحسّ بوساطة الاحتجاب ، وإنما كان بصبغ وألوان وأشكال متنوّعة يقتضيها عالم التكوين المحوّل للصور والأحوال والصفات والمبدّل بعضها ببعض إفناء وإنشاء وموتا وحياة وعزّا وذلّا وحبّا وبغضا ، ففي كل برزة من برزاتها وبدوة من بدواتها تظهر لكل عاشق بلون مخصوص