آدم عليه السلام ، فإن ما عدا صورته لم يكن إلا مظهر اسم معين ووصف مخصوص وأثر متميّز كان الغالب عليه حكم ذلك الاسم والوصف نحو الظاهر والباطن ومثلهما صورة أو معنى ، فلم يكن قابلا حقيقيّا لجمعية جميعها بالفعل وللتوحيد اللازم لهذه الجمعية بالفعل ، ولحقيقة المعرفة المبني ظهورها على الجمعية والحقيقة المحبّة المتعلقة بهما ، وللتكليف التابع للمعرفة والتوحيد ومبادئ حكم المحبة إلّا صورة آدم عليه السلام ، وإليه الإشارة بقوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ
[ الأحزاب : الآية 72 ] ، أي المعرفة الحقيقية والمحبة والجمعية على السماوات ، يعني :
واللّه أعلم على ما علا من الكون والأرض ، يعني على ما سفل والجبال ، يعني وما بينهما
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها
[ الأحزاب : الآية 72 ] لنقص في قابلية قبولها
وَأَشْفَقْنَ مِنْها
[ الأحزاب : الآية 72 ] لإحساس بحكم الفطرة الأصلية بميلها إلى حكم أحد الطرفين اليمين والشمال ، أو قل إلى حكم الوحدة والكثرة أو الوجوب والإمكان أو الظهور والبطون ،
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : الآية 72 ] - يعني آدم عليه السلام - لجمعية حقيقته ومرتبته ومعناه بين جميع الحقائق والمراتب والمعاني وجمعية صورته جميع الصور ومراتبها وتتميمه دائرة الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية ، ولكن لما فاتته هذه الدقيقة من العلم الحقيق به حال إقدامه على قبول الأمانة أن فروع صورته وأجزائها التفصيلية الظاهرين منها على هيئتها في غاية الكثرة ، ولم يكن لأكثرهم صلاحية الخروج عن عهدة ردّ الأمانة التي قبلها هو بكمال قابليته ووقوع حقيقته واستعداده في حاق الوسطية بين الأطراف لأجل ميل أكثر فروعه الظاهرين بمحض صورته التخطيطية إلى طرف من تلك الوسطية لقصور قابليّاتهم وميل حقائقهم واستعداداتهم عن عين تلك الوسطية ، وبحكم مشابهتهم إياه بالصورة المنبئية عن جمعيته ، وبمقتضى فرعيتهم له كانوا داخلين في معرض قبول الأمانة عاجزين عن ردّها كما ينبغي عند المطالبة بذلك واقعين في ورطة العذاب والعقاب للقصور والتقصير في ردّ الأمانة ، فكان آدم عليه السلام بفوته هذه الدقيقة من العلم سمّي جهولا ، وبإقدامه على حمل الأمانة بما تضمّنت صورته من الفروع والأجزاء والتفاصيل بلا استثناء ، بعضهم كان ظلوما على نفسه من حيث بعض فروعه وأجزائه ، وكان في نفس الأمر علّة جهوليّته وظلوميّته حكمة تمييز حكم القبضتين ، وردّ أهل كل واحد إليه على ما قال عزّ من قائل :
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ الأحزاب : الآية 73 ] .