تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
راجِعُونَ
[ الأنبياء : الآية 93 ] ، وبحكم
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) [ الفرقان : الآية 46 ] ، وبأمر
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
[ النّساء : الآية 58 ] ، ولمّا كان الحسن وصفا من أوصاف الوجود وهو ظهوره بصورة الملاءمة وكل وصف فهو تابع للموصوف والأمر في الأصل الموصوف قد تبيّن ، فكان حكم الوصف كذلك ؛ فلا جرم صحّ وبأن قوله : فكل مليح حسنه من جمالها معار له ، أو حسن كل مليحة ، فالفاء في أول البيت للتسبّب ، يعني : لما كان حسن كل مليح ومليحة معارا لهما من الجمال المطلق الذي هو للحضرة المحبوبية ، فصرّح بالتعلق بالأصل ولا تمل إلى التقيّدات التي هي فروعه العارية كونها وحقيقتها منه الزائلة عنها بحكم الردّ إلى أصلها ، ثم استدرك وقال : هذا الذي حذّرتك عن تقييد الجمال المطلق إنما كان لأجل أن لا تقف مع المقيد ، وتشتغل بذلك عن شهود المطلق في هذه النشأة ، وإلّا فكل من ظهر بوصف العشق لصورة مقيّدة كان في الحقيقة تعلّقه بتلك الحضرة ، فإن المطلق كامن في المقيّد ، وهو أحد تنوّعات ظهور المطلق ، ولكن المقيّدون بالقيد حجبوا بالوصف عن الموصوف ، وبالمقيّد عن المطلق .
بها قيس لبنى هام ، بل كلّ عاشق ، كمجنون ليلى ، أو كثيّر عزّة فكلّ صبا منهم إلى وصف لبسها ، بصورة حسن ، لاح في حسن صورة كل من ظهر بوصف الميل والهيمان مثيل قيس بن ذريح الذي هام بلبنى ومجنون بني عامر عاشق ليلى العامرية ، وكثيّر الذي اشتهر بحبّ عزّة كان متعلق ميله وحبّه تلك الحضرة المحبوبية وإطلاق جمالها في الحقيقة ، فكل واحد من المذكورين مال واشتاق إلى وصف ستر جمالها المطلق وتلبّسه بلباس صورة ذلك الحسن الكامل المطلق الذي لا يقابله قبح أصلا ، وهو بهذا الاعتبار أجل من فهم الخلق إيّاه ، وتلك الصورة التي تلبس حسنها المطلق بها إنما هي الهيئة الاجتماعية من إضافة الوجود المفاض ، ومن أحكام حقيقة الممكن وصورة معلوميّته لاح ، وظهر ذلك الحسن المطلق بواسطة تلك الصورة الخلقية من حسن مقيّد مضاف إلى صورة حسنة حسّية ، وكان ذلك الحسن المطلق باطنا ساريا وصورته ظاهرة مثل ما يلوح المعنى الباطن في اللفظ والساري فيه من صورة اللفظ بلا توهم حلول ومماسة ، فافهم منصفا .