تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
مهمك ومستلزم تفرّق خاطرك وتشتّت همّك عما يهمك من ضرورة وقتك ، وهذا التعلق بالصور الحسّية أغلظها حجابية وأشدّها منعا عن الشروع والاشتغال بذكرك وفكرك في مهمات سيرك وسلوكك ، ففارق هذه الضلالة وتوجّه إلى جمع همّك على مهمات أمر رفع حجبك ، فإن جمع الهم على طلب ما هو الأهم منتج سلوك الرشاد الذي سلكه قوم من أهل الجدّ والاجتهاد الذين تعرّضوا للتحقّق بمقام الاتحاد . قلت : وقد كان شيخي وقدوتي الشيخ نجيب الدين علي بن برغش الشيرازي رضي اللّه عنه تمثل في غلظ حجابية التعلق بالصور الحسنة الحسّية مثالا مطابقا ، ويقول قطع عشرين طاقة من خيط ومن حبل فردا فردا أسهل من قطعها مجموعة ، فالتعلّق الحبّي بالصور الجميلة ، وإن كان يقطع التعلقات الجزئية من الآمال والأماني ، ولكن قطع تلك التعلقات بقوة داعية السلوك أسهل من قطع هذا التعلق بكثير لكونه جامعا تفرقة تلك التعلقات السوائية .
وصرّح بإطلاق الجمال ولا تقل بتقييده ، ميلا لزخرف زينة يقال : فلان قال بكذا إذا اعتقده ومال إليه ، والزخرف : الزينة المموّهة . يقول : لا تعتقد تقيّد الجمال المطلق ولا تمل إلى تعينه وتقيّده بهيئة معنوية وصورة مزيّنة بزينة حسن مموّه ظاهرها معجب وباطنها مكرب لتعرّضه للزوال ووقوعه في معرض التغيّر والانتقال ، وصرّح بالقول والاعتقاد بأن الجمال المطلق ثابت كامن في هذه التقيّدات ، ولن يوصل إليه إلّا بعد التعدّي عن هذه التقيّدات والإعراض عنها بالكلّية ورفع حجب القيود والتعلّق بها من جميع الوجوه ، فإن ما عدا الجمال المطلق المضاف إلى حضرة المحبوب المطلق حسنة عارية مفاض منه ، وكل عارية لا بدّ مردودة زائلة من يد المستعير ، وراجعة إلى المعير .
فكلّ مليح ، حسنه ، من جمالها ، معار له ، أو حسن كلّ مليحة قد ذكرنا غير مرة أن جمال تلك الحضرة إنما هو كمال ظهور الوجود بوصف الملائمة مفيضا كان أو مفاضا من غير تقييده بالإضافة إلى غير ، فإذا أضيف صار مقيّدا خارجا عن إطلاقه ، وكل ما أضيف من ذلك الوجود المفاض إلى شيء كانت الإضافة طارئة على المطلق ، وعارية ذلك الوجود المقيّد بالإضافة عند ذلك الشيء راجعا إلى أصله الذي تعيّن منه بموجب
كُلٌّ إِلَيْنا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 375 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني