يعني
: جاهد نفسك بكسر هواها ورفع جميع صفاتها والتقيّد بشيء من أحوالك والإعراض عن إضافة شيء من أعمالك القلبية والقالبية إليك حتى يخلو ظاهرك وباطنك عن أحكام الغيريّة ورؤيتها ، وحينئذ تشاهد من ذاتك شيئا أعلى وأقوى مما فهمته مما وصفت لك من الأحوال والمقامات ، وذلك الشيء إنما يكون سكونا وطمأنينة في مقام التمكين المذكور حاصلا لك في شهود الأمر على ما هو عليه لا يتطرّق إليه اضطراب من شبهة أبدا ، وذلك السكون إنما يكون صادرا عن التجلّي الذاتي الجمعي المظهر كل شيء على ما هو عليه ، فيكون هذا التجلّي بهذا الاعتبار سكينة يسكن السائر به عن اضطراب تطرّق الشبهات إليه .
فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي وهاديّ لي إيّاي ، بل بي قدوتي
قوله : لي ، بمعنى إلى ، وإياي مفعول ثاني لشاهدت ، ومفعوله الأول مشهدي ، وبل إضراب سنبين في تقرير المعنى متعلّقه ، والقدوة بضم القاف :
الاقتداء ، وبكسرها : اسم للمقتدي .
يعني
: لما كان لصاحب هذا المقام أحوال وتارات ، فتارة يقع نظره أولا على الوحدة ، وفي عين ذلك يقع نظره على تلبّسها بصور الكثرة والتفرقة ، وتارة يقع نظره على أثر التفرقة ويشاهد فيه عين الوحدة ، فعلى هذا مرة يقع نظره على وصف هدايته ويرى المهتدي والهادي عينا واحدا هو عين ذاته ، ومرّة يرى أولا وصف اقتدائه ، ويرى في ذلك أن مقتداه عينه ، ووقتا يرى وصف وقوفه في مقام الاستغراق في لجّة العرفان الذي كان الوقوف بعرفات صورة ذلك الوصف وأثره ، وحينئذ يرى الموقف والواقف عين ذاته ، وتارة يرى وصف توجّهه وطلبه المزيد في فنون السير في اللّه ، وحالتئذ يرى المتوجّه إليه والمطلوب هو عينه ، وطورا يرى وصف مناجاته الذي كانت الصلاة صورة ذلك الوصف ، ووقتئذ يشاهد الكعبة صورة حضرة من حضراته ؛ لا جرم متعلق الإضراب في لفظتي : بل ولا بل إنما يكون منتهى شهود تلك الأوصاف الذي هو عين التوحيد في ضمن شهود مبدئها بطريق الاستدراك والتنبيه على عدم وقوفه مع شهود الصفة دون شهود الموصوف وانتفاء المغايرة بينهما .
وبي موقفي ، لا بل إليّ توجّهي ، كذاك صلاتي لي ، ومني كعبتي
معناه قد ذكر .