إليك الشرك الجلي وأضيف إليك الشرك الخفي ، وهذه الإضافة أيضا تضاف إلى من يعرف أن أصل الوجود واحد وهو للحقّ عزّ وعلا ، ووجود ما سواه فرع وشعاع مفاض من ذلك الوجود الواحد الأصل ، ولكن أنت ملازم لهذا الشرك الخفي بنفس ضلّت عن هدي معرفة الوجود الحقّ بسبب غلبة أحكام الكثرة والانحرافات عليها ، وأنت لا تعرف ذلك لو عرفت لألزمت نفسك الرجوع عن ضلال هذا الشرك بإزالة كل بقية فيها من أحكام الكثرة والانحرافات الخفيّة لتظهر وحدة القلب الكامنة فيها ، وحينئذ تتبين حقيقة التوحيد بظهور التجلي الوجودي الوحداني فيه ، ويتبدّل الشرك والكفر بالتوحيد الصرف .
وفي حبّه من عزّ توحيد حبّه ، فبالشّرك يصلى منه نار قطيعة
عزّ الشيء : حصل في عزاز يصعب الوصول إليه ، وقيل : امتنع ، وهو المراد ههنا ، ويصلّى على ما ذكره الخليل : صلّى الكافر النار قاسى حرّها ، ومن في منه متعلقة بقطيعة ، والضمير في منه راجع إلى حبّه ، أي محبوبه .
وتقدير البيت
: ومن عزّ ولم يوجد في حبّه توحيد محبوبه ، أي أنه متوحّد باستحقاق المحبوبية فلا محبوب سواه ، فهو يقاسي بهذا الشرك في المحبوبية حرّ نار القطيعة من محبوبه ، فإنه إذا أثبت محبوبا آخر له استحقاق المحبوبية لا بدّ وأن يتطلّع بنسبة الحبّ إليه ، وإن كان أدنى تطلّع فبقدر ذلك التطلّع اليسير ينقطع تطلّعه عن محبوبه ، فيصطلي أبدا بنار ذلك المقدار من الانقطاع عن التطلّع بمحبوبه وعن وصله وقربه ، وأنت أيها المسترشد ما دام أثر من بقايا أحكام كثرة نفسك باقيا فيك لا بدّ وأن تكون مبتلى بالشرك الخفيّ بحيث تثبت وجودا آخر في مقابلة وجود مطلوبك تضاف إليه الآثار ، فتلتفت قليلا إليه وإلى آثاره المعني عن ذلك الالتفات بقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ
[ الجاثية : الآية 23 ] ، وأضلّه اللّه بذلك الاتّخاذ على علم بأن له إلها يستحق الإلهية سوى من اتّخذه الساعة إلها ، وحينئذ إن لم تعرف بيقين أن الذي اتّخذته هو فان هالك ، فترجع من ضلال الالتفات إليه إلى هدى الإعراض عنه والإقبال بكليتك على من علمته إلها حقيقيّا ومحبوبا أصليّا تكون بشركك المذكور تصلى نار القطيعة من حضرة المحبوب الحقيقي ، فلم تصل إليها ، ولكن إذا عرفت وأفنيت ذلك القدر اليسير من بقايا أحكام كثرة نفسك الخفيّة بحيث تظهر وحدة قلبك وتتجلّى فيه حضرة محبوبك وربّك ، وحينئذ وحدته توحيدا على بصيرة ، وانتفى عنك أثر إثبات الغير والسوى ،