واعلم أن السائر إذا أصبح صاحب قلب ، ثم بعد ذلك يرجع أحيانا إلى ظهور آثار نفسه فيه بحكم النشأة البشرية ، ووقتا يغلب عليه حكم التجلّي الحاصل في قلبه وتظهر فيه بأحكامه ووقتا لا يغلب عليه أحكام النفس ولا أحكام التجلّي ، ويكون مع وحدة قلبه فعندما يتوجّه هذا السائر إلى حضرة ربّه ليظهر وينكشف له أمر من الأمور الإلهيّة أو الكونية ، فينزل ذلك الأمر لقوّة توجّهه في ضمن تجلّ رباني ، فإن وافاه ذلك التجلّي المتضمّن جلية ذلك الأمر حالة ظهور وصف من آثار نفسه ، فيقهره التجلّي ويظهر ذلك الأمر للقلب ، فذلك نوع من التدلّي وإن وافاه حالة ظهور وصف سرّه الظاهر في قلبه ، وينجلي له الأمر في ضمن ذلك الوصف الربّاني الغالب عليه حالتئذ ، فذلك نوع من التداني وإن وافاه مع خلوّ قلبه عن كل وصف إلهي أو كوني حتى يظهر التجلّي ويظهر في ضمنه الأمر الذي توجّه لأجله ، فذلك نوع من المنازلة فلهذا قال : ذوبان قلبك الوحداني حتى صرت به واحدا حينئذ وجدت بسبب المنازلة في قلبك جلية مسألة الاتّحاد .
ولكن على الشّرك الخفيّ عكفت ، لو عرفت بنفس عن هدي الحقّ ضلّت
جواب لو محذوف تقديره : ولكن عكفت على الشرك الخفي بنفس ضالة عن طريق الحق ، وأنت غير عارف بذلك لو عرفت لرجعت من الضلال إلى الهدى وصرت موحدا ، والعكوف : الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له ، ولكن إضراب عن إضافة كونه أمسى واحدا وأصبح واجدا إلى المسترشد وتنبيه له بأنه عاكف على الشرك الخفيّ ، وبهذا الشرك لم تحصل المنازلة المذكورة .
يقول : ما دام شيء من بقايا الكثرة والتقيّدات في نفسك باقيا لا يظهر من وحدة القلب عين ولا أثر ، فلم تفهم من حقيقة الوجود وأنها واحد وهو للحق عزّ وعلا لا شركة لأحد سواه فيها أصلا ، بل تخال أن وجود الحقّ بالحد والحقيقة غير وجود ما سواه ، وكل واحد من الوجودين له صفات وأحكام مضافة إليه على حدة بالأصالة ، وهذا شرك خفيّ لأنك تقول بوجودين أصليين وتثبت في مقابلة وجود الحقّ وجودا آخر تضاف إليه آثار وأفعال وصفات ، وإنما قلنا : بأن هذا شرك خفيّ غير جليّ لأنك تضيف إيجاد هذا الوجود المضاف إلى سوى الحقّ تعالى وإظهاره إلى الوجود الحق ، وأنه لو لم يوجده لكان عدما محضا ؛ لهذا لم يضف