تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
بالتجلّي الباطني يسكر ويغيب بأحواله عن أحوال التجلّي الظاهري ، وكانت الأحوال في هذين التجليّين في مقام تلوين التجلّيات الواردة عليه مما يتضمّن هذان التجلّيان الظاهري والباطني من الأسماء المنتشئة من كل واحد منهما تغلب السيار وتغيبه أيضا بعض تلك الأحوال عن بعض ، فلذلك كانت حضرة هذين التجليّين الكليّين وما اشتملا عليه من الأسماء الجزئية المنتشئة منهما مقام التلوين ، فإنهما يلوّنان السيار كل وقت بلون حال وغيبة بها بحضور حال أخرى ، وكانت تلك الحضرة أيضا مقام السكر لتغييب بعض أحوالهما السيّار عن بعض إلى أن يتحقّق بهذا التجلّي الجمعي ، فيتمكّن السيار حينئذ فيه بحيث لا يغيبه لون حال أخرى ، ولا يغلب عليه شيء منها ؛ بل يكون متمكّنا من الجمع بين جميع ألوان الأحوال في شهوده وإدراكه ومن إثبات جميعها في حالة واحدة وآن واحد بتجلّ واحد أو تجلّيات شتّى في وقت واحد ، وهو مقام الصّحو والتمكين في التلوين ، وللتلوين منشأ آخر وهو غيب الغيب وتنوّعات ظهور تجلّياته الغير المنضبطة المتعيّنة مع الآفات التي من حكمها :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : الآية 9 ] ، والمتمكن في هذا التلوين غالبا صاحب مقام أحدية الجمع أو أدنى ، وهو الجناب المحمدي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقول : فعندما تحقّقت بهذا الصّحو المذكور من سكر غلبة قهرة الأحوال على الحاصل ، هذا الصحو بعد المحو الذي ذكرته عن حكم التقيّد بآثار أحد التجليّين الظاهري والباطني ، ووصلت حينئذ إلى مقام جمع الجمع ، أي الحضرة الجامعة بين جمع التجلّي الظاهري بما اشتمل عليه من الأسماء المؤذية بالتشبيه ، وجمع التجلّي الباطني بما اشتمل من الأسماء المنبئة عن التنزيه لم أك غير حضرة المحبوب في هذه الحالة التي تخلّصت فيها من جميع التقيّدات والنسب والإضافات المتّصفة بوصف الغيرية والمغايرة ، وانطلقت عن قيد الميل إلى شيء من النعوت والأسماء والصّفات حتى أن ذاتي المتعيّن المقيد بسبب هذا التخلّص والانطلاق قد تحلّت بحلية الجمعية والإطلاق عندما تجلّت حضرة المحبوب بجمعيّتها وإطلاقها ، فأزالت وأفنت بتجلّيها كل ما بقت من بقية خفية غاية الخفاء من أثر القيد والتعيّن بحكم التجليّين المذكورين على وفق ما نبّهتني عنه بقولها : ولم تفن ما لا تجتلي فيك صورتي ، وهذا معنى قوله : وذاتي بذاتي إذ تجلّت تحلّت .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 359 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني