التقيّد بحكم أحد التجليّين والوصف الخصيص بكل واحد منهما حينئذ بدا من بين أوصافهما هيئة اجتماعية وحدانية جامعة خصائص كل واحد منهما قابلة بتلك الجمعية تجلّيا ذاتيّا جمعيّا سميت تلك الهيئة الاجتماعية بالقلب المتبحّر الذي يسع كل شيء حيث لا يسعه شيء ، وتجلّى في هذا القلب المتبحّر عين ذات الحضرة المحبوبية من حيث مرتبتها الجامعة المسمّاة بمرتبة الألوهة ، لا من حيث كنه غيبه المطلق .
وحينئذ كل ما محوته من أحد شاهديّ الظاهري والباطني بشهود الشاهد الآخر ، وشاهدت منهما عند محو الآخر ، وجدت عين ذلك الممحو والمشهود حاضرا وحاصلا بوصفهما - أعني الوحدة والكثرة - في عين مشهد هذا التجلّي الذاتي الجمعي الذي هو مشهد هذين الشهودين لشاهديهما - أعني معطيهما - هذا الشهود الظاهري والباطني غير ممانع شهود أحدهما شهود الآخر ، وذلك بسبب صحوي من سكرة غلبة شيء ، وحكم ما من القيود الخلقية والحقّية على شهودي وإدراكي الأمر على ما هو عليه .
وعانقت ما شاهدت في محو شاهدي بمشهده للصّحو ، من بعد سكرتي
عانقت : أي اشتملت عليه كما تشتمل يد المتعانقين على عنق صاحبه .
والمعنى
: قد قرّرنا لكن بقي شيء ، وهو أنه ذكر في البيت اشتماله على ما شاهده فيما قبل في محو شاهده ، وقد قال في ذلك البيت : وطاح وجودي في شهودي ، فكان قوله في هذا البيت : وعانقت ما شاهدت في محو شاهد ، يدلّ على أنه لم يعانق إلّا مشهوده في التجلّي الباطني الذي طاح فيه وجوده الظاهري ، وكان شهوده في هذا المشهد الجمعي للتجلي الظاهري مسكوتا عنه ، بل يرى كأنه منفي في هذا المشهد ، ولو قال : وعانقت ما قد كان محوا بشاهد بمشهده لكان أنسب بحكم التجلّي الجمعي الجامع للتجليّين وأحكامهما جميعها مع عدم التقيّد بشيء من ذلك ، وأبين للمعنى المراد في هذا المقام ، وكان فيما قبل شاهد التجلّي الظاهري محوا بشاهد التجلّي الباطني ، وشاهد التجلّي الباطني محوا بشاهد التجلي الظاهري ، وهذا كان منتهى مراتب التلوين في اصطلاح هذه الطائفة ، وفي مقام التمكين الحاصل في التجلّي الذاتي الجمعي يظهر ويثبت ما كان محوا ، وما كان ثابتا معا في حالة واحدة ، وفي محل واحد ، وهو القلب المتبحّر المذكور .