تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وعذره : أن قوله : ماحيا في البيت الأول يشتمل الشاهدين الظاهري والباطني ، ففي قوله : عانقت ما شاهدت في محو شاهدي لم يرد بهذا المحو ما يفهم من قوله : وطاح وجودي في شهودي ، بل أراد به ما يتضمّن قوله : ما حي ، يعني الشاهد الظاهري والباطني ، ومعلوم أن في حال محو أحد الشاهدين كان شهود مقابله واقعا ، فأراد بقوله : ما شاهدت ذلك المفهوم من الشاهد عنه محو مقابله بطريق التضمّن لا ذاك المصرّح بذكره في قوله : وطاح وجودي في شهودي ، وهذا عذر واضح صحيح لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ وعبارة ، وقوله : غير مثبت قد حذف مفعول مثبت ، وهو التقيد بمحو أحدهما بإثبات مقابله ، وبإثبات أحدهما يمحو الآخر . واعلم أن الشاهد المذكور في لسان القوم إنما هو الوجود مفيضا كان أو مفاضا ، أما بالنسبة إلى أرباب البداية يظهر الوجود المفاض لبعض مجرّدا ، وذلك كالبرق الخاطف ، ولبعض يظهر بصورة روحانية نورانية تظهر نوريّته في الباطن ، وينشرح الصدر حالتئذ ويبدو لسمعه في تلك الحالة خطابات لم يكن المخاطب مرئيّا ، ولبعضهم يظهر ذلك بصورة مثالية تارة مثل كوكب ، وتارة مثل قمر ، وتارة مثل شمس ، وتارة يبدو بصورة إنسان مليح الصورة يؤنس الرائي ويرشده إلى ما فيه ترقيه وصلاحه ، وربما يخبره عن الكوائن ويزجره عمّا فيه مضرّة حاله ونقصانها ، ومن ذلك ما يبدو للذاكرين في خلواتهم بصورة ضياء تتنور به خلوتهم . وأمّا بالنسبة إلى الأكابر هو عين التجلّي الأسمائي أو الذاتي ، وإنّما سموه شاهدا لأن شهودهم في أي رتبة كان لا يضاف إلّا إليه ، فتارة هو يصير سمعهم وبصرهم ، وتارة هم يصيرون سمعه وبصره ، بحسب حكم التجليين الظاهري والباطني .
ففي الصّحو ، بعد المحو لم أك غيرها وذاتي بذاتي ، إذ تحلّت تجلّت الواو في قوله : وذاتي للحال بيان هيئة الفاعل المذكور في قوله : لم أك ، إنما أراد بالصحو التحقّق بمقام التمكين الحاصل بحصول التجلّي الذاتي الجمعي بين الظاهر والباطن ، وإنّما عبّر عن هذا المقام بالصّحو لأنه يفيق به عن سكر الأحوال وغلبتها عليه عند كونه في مقام التلوين ، فإنه كان قبل هذا التجلّي الذاتي الجمعي كلّما بدا له من مقام التجلّي الظاهري شيء من الأحوال يغلبه ويغيبه عن إدراك عينه وعن إدراك ما يبدو من أحوال التجلّي الباطني ، وكذا كان حكمه وقت التقيّد