العلمية أيضا لمّا كانت خالية عن كل حكم ووصف وإضافة شيء وأثر ما إليها ؛ كالظهور لنفسها وإدراكها لها ولأمثالها ولمقدّرها أيضا ، وتأثير وتأثر ونحو ذلك ، وكانت - كما قلنا - كمحل معنوي لذلك الشأن الإلهي كنى عنها باسم الخلوة ، أي المحل الذي تخلى فيه ، ثم أطلق هذا الاسم - أعني الخلوة - على من نزل في هذا المحل المعنوي نزولا معنويّا لا صوريا على المجاز الجاري في فصاحة كلام العرب ، حيث جوّزوا إطلاق اسم المحل على ما نزل فيه ؛ لهذا قال : بجلوة خلوتي ، يعني بظهور ما كانت خلوة باطنه في صورة معلوميّتي .
ثم يقول : ولما تجلّى ظاهر الوجود الوحداني في قلبي حتى شاهدت به أني عينه ، وبشهود عيني شهدت عين حضرة المحبوب كما ذكرته آنفا تفرّغت للتوجّه إلى كشف باطن الوجود بشؤونه الذي هو غيبي الإضافي ، فخرقت بيد الحبّ حجب هذا الوجود الباطني بشؤونه ، وتلك الحجب هي صفات روحي وتقيّدها بحكم الوحدة والبساطة ، وحيث تهتكت تلك الأستار والحجب انكشفت لي الحضرة العلمية التي هي مرآة ومجلى لباطن الوجود بشؤونه ، وباطن الوجود هذا هو عين حضرة محبوبي ، فلمّا بدت لي حضرة المحبوب ببدوّ عين الوجود الباطني الجامع للشؤون الذاتية الباطنية حينئذ أشهدت غيبي الذي هو أخذ تلك الشؤون الذاتية الباطنة حال بدوّ عين الوجود الباطني ، الذي هو عين حضرة المحبوب في مرآة العلم ، وذلك الشأن هو غيب حقيقتي وصورة معلوميّتي وباطنها ، وهو معنى قوله : وأشهدت غيبي إذ بدت ، أعني حضرة المحبوب في مرآة العلم ، وقوله :
فوجدتني هنالك إياها بجلوة خلوتي ، يعني اجتلت لي خلوتي ، يعني غيبي الذي هو عين ذلك الشأن ، فوجدتني هنالك ، يعني وجدت ذاتي في حضرة الباطن والغيب الإضافي أنها عين حضرة المحبوب ؛ لأن ذلك الشأن في حضرة الباطن ليس إلّا عين ذي الشأن الذي هو عين الوجود الباطني المشهود لي في هذا المشهد ؛ لانتفاء أثر الغيرية في عين تلك الحضرة بينها وبين شؤونها وبين كل شأن وشأن ، فإن المرتبة تحكم بذلك وتقتضيه بذاتها ، ومعلوم أن المراتب والمحال لها التأثير والحكم في أهليها ولا بدّ ، فاعلم ذلك .
فالحاصل أن في التجلّي الظاهري انكشف لظاهر عيني تعيّن الوجود الذي هو عيني ، وبانكشاف التعيّن انكشف الوجود المطلق ؛ فلهذا قال : أراها ، يعني حضرة إطلاق الوجود برؤيتي ، يعني برؤية تعيّن الوجود ، وفي التجلّي الباطني انكشف لي
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 355
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٣٥٥