أدركه ناظري ، فرأى عيني وتشخصي عين ذلك الوجود العام الشامل مندرجا تشخّصي وتشخص كل ما أدركه ناظري وتعيّنه وكثرته في وحدة هذا الوجود الواحد الظاهر ومغلوبا فيه ، وبدا لي أيضا أن هذا الوجود الواحد الظاهر لناظري هو عين ذلك التجلّي الحاصل في قلبي الذي صار سمعي وبصري ولساني ويدي حتى أسمع به وأبصر به وأنطق به وأبطش ؛ فلا جرم أشاهد في كل مرئيّ يراه ناظري عيني وحقيقتي الذي هو عين الوجود الظاهري ، وبهذه المشاهدة أشاهد حضرة محبوبي التي هي عين الوجود أيضا ، فبرؤيتي نفسي في كل شيء أرى عين تلك الحضرة فيه ، فإنها عيني بلا مغايرة ؛ وذلك معنى قوله : ففي كل مرئي أراها برؤيتي ، وقد أفاد بعض العلماء المحقّين المحقّقين بعد إثبات معنى هذا البيت أنه إنما قال : أراها برؤيتي حتى تخرج منه الرؤيا ، يعني : ففي كل مرئي أرى تلك الحضرة برؤيتي الحسّية في يقظتي لا بالرؤيا المختصّة بالنوم .
وأشهدت غيبي ، إذ بدت ، فوجدتني ، هنالك ، إيّاها ، بجلوة خلوتي
ذكر الخلوة التي أريد بها المحل الذي يخلى فيه ، وأراد به ما كان حالّا في ذلك بطريق إطلاق اسم المحلّ على الحال ؛ كقولهم : سال الميزاب .
المعنى
: اعلم أن غيب الحقّ غيبان غيب مطلق ، وهو كنه الذات وأزليّتها الغائب على الإطلاق علمه وفهمه عن كل ما هو متعيّن وغيب إضافي ، وهو حضرة باطن الوجود المشتمل على الشؤون والأحوال الإلهيّة التي هي نسب الواحدية ، وكل شأن وحال منها هو باطن كل حقيقة وباطن صورة معلومية كل شيء يتعلق بها العلم الأزليّ ، وذلك الباطن هو المعبّر عنه بالوجود العلمي ، أعني الذي يقال عنه أن لكل حقيقة وصورة معلوميّة له وجود علمي في حضرة العلم الأزلي لم يوجد في العوالم الخلقية شيء إلّا على مثال تلك الصورة المعلومية ووجودها العلمي ، وذلك إحدى معاني قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » ، أي على صورة آدم ، يعني : أوجد صورته في الحسّ على مثال صورته العلمية الثابتة في العلم الأزلي ، وهذه الصورة العلمية هي صورة ذلك الشأن الإلهي المتعلق بباطن الوجود المعبّر عنه بالوجود العلمي ، وكالمحل المعنوي لذلك الشأن الباطني ، وهذه الصورة
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، حديث رقم ( 2612 ) [ 4 / 2017 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر الزجر عن قول المرء لأخيه قبّح اللّه وجهك حديث رقم ( 5710 ) [ 13 / 18 ] ؛ ورواه غيرهما .