تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
يقول : ولما خرجت عن أنانيتي وصفاتها الناقصة إلى حضرة المحبوب صارت نفسي بعد أن جرّدتها عن أوصافها العارضية والأصلية مزدوجة بوصف هذا الخروج عني ومتكثّرة به ، ولم أرض أن تكون نفسي تصحبني مع هذا الازدواج والاتّصاف بوصف الكثرة ؛ لأن الكثرة حجاب على حقيقة الوحدة التي هي من أخصّ خواص الحضرة المحبوبية ، فصار عدم رضائي لصحبتها بوصف ازدواجها المذكور سببا حاملا لي على أن أفردت نفسي عن وصف الخروج وازدواجه مع نفسي لأجل إظهار شرفي وسؤددي بواسطة سراية أثر من وحدة الحضرة المحبوبية فيّ بحيث منعتني تلك السراية عن الرّضا بصحبة النفس مع اصطحابها أثرا من الكثرة .
وغيّبت عن إفراد نفسي ، بحيث لا يزاحمني إبداء وصف بحضرتي يقول : ولمّا تحقّق بموجب
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
[ محمّد : الآية 31 ] صدق قصدي وثبات عزمي في جهاد النفس وقمع أحكام كثرة الأوصاف ، وأنه لا يتحقّق فنائي عن تلك الأحكام بالكلية إلّا بعناية الحضرة المحبوبية على ما أشارت إلى ذلك بقولها : ولم تفن ما لا تجتلي فيك صورتي ، استقبلتني تلك الحضرة بعنايتها ومحبّتها ، وأظهرت فيّ أثرا من تجلّياتها حتى غلبت عليّ وعلى جميع أوصافي وغيبتي بها عن وصف إفراد نفسي وعن جميع ما يمكن أن يزاحمني بوصف كثرته عند تحقّقي بحقيقة الوحدة بحيث لا يظهر بحضرتي ، أي بحضوري مع حقيقة الوحدة شيء من آثار الكثرة وإبداء وصف ينبئ عن أثر ما من الكثرة أصلا ، حتى صرت فريدا عن الأغيار وحيدا بالتحقّق بوحدانية الواحد القهّار . قلت : وبعد أن تخلّص من آثار الكثرة والقيود تخصّص بأنوار الوحدة وإطلاق البقاء ببقاء حضرة الرحمن القريب الودود شرع في ذكر تفصيل ما تحقّق به من الحضرات الظاهرية والباطنية والجمعية بينهما ؛ ليكون معرفة ذلك مهيجا وباعثا للمريدين على صحة السير والثبات على ترك المرادات .
وها أنا أبدي ، في اتّحادي ، مبدئي ، وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي يقول : لما تحقّقت بمقام الكمال والوحدة والبقاء الحقيقي ووصلت إلى رتبة الاتّحاد المشتملة على مبدأ ووسط ونهاية كانت رتبتي أعلى من أن أخاطب المحجوبين الناقصين النازلين في درجة الخلقية المتّصفين بأحكام الحيوانية أو