خرجت بها عني إليها ، فلم أعد إليّ ، ومثلي لا يقول برجعة
يقول : لما أدركتني عناية مدد حضرة المحبوب وهدايته الخاصة المعنية بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
[ محمّد : الآية 17 ] ، يعني : قبلوا الهداية العامّة الإيمانية بقابليتهم الأصلية ، وأقبلوا بكلية باطنهم إليها ، حينئذ زادهم هدى اختصاصية من مقام الإحسان
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : الآية 17 ] ، يعني : أعطاهم تقوى نفوسهم بأن جعلوا حكم وحدتها القلبية الباطنة فيها وقاية تصونها عن التلبّس بآثار الانحرافات المبعدة إيّاها عن جناب موجدها خرجت بها عن أنانيتي المجازية وأوصافها المعرضة للهلاك والفناء ، بموجب « كل شيء هالك إلا حضرة المحبوب » ، ووجهها المتّصف بالدوام والبقاء المعني بقوله :
إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : الآية 88 ] ، ومثلي المعتنى به والمهدي إليه هداية خاصة حتى خرج بها من الفاني إلى الباقي ، لا يقول بالرجوع إلى ما خرج عنه ، أي لا يعتقد ذلك ، يعني :
كانت أنانيتي وجميع أوصافها التي خرجت عنها متّصفة بوصف الجزئية وقابلية الظهور بصورة الانحراف والخلل والزّلل والخطأ والنسيان والزيغ والطغيان وجميع طرق النقصان في القول والفعل والرؤية والسماع ، فخرجت عن تلك الأنانية وأوصافها الموصوفة بهذه النقائص والرذائل إلى حضرة هي منبع الكلّية والوحدة والعدالة والتمامية ولزوم الاستواء والإصابة والحضور وجميع أصناف الكمال ، فلم أرجع إن قدر رجعتي من الجمع إلى التفرقة إلى مثل هذه الأنانية وأوصافها الأصلية المتّصفة بهذه النقائص قولا وفعلا ورؤية وسماعا ، بل أرجع متّصفا بجميع أوصاف الكمال ، ومنصبغا بآثار أوصاف تلك الحضرة الكمالية وسراية حكم كمالتها في صفاتي الأصلية ، فلم أسمع في عالم التفرقة ولم أر ولم أقل ولم أفعل إلّا صوابا وحقّا ، وما يتضمّن كمالا وحكمة بعون اللّه وعنايته وهدايته .
وأفردت نفسي عن خروجي ، تكرّما فلم أرضها ، من بعد ذاك ، لصحبتي
الإفراد : جعل الشيء منفردا عن ما كان مزدوجا به ، وتكرّما : أي إظهارا للشرف والسؤدد ، وهو مفعول له متعلّق بأفردت ، وضمير الهاء في لم أرضها ، يرجع إلى النفس ، وذا إشارة إلى اتّصاف النفس بوصف الخروج ، والفاء للسببية ، يعني صار عدم رضائي لصحبتي النفس بعد اتّصافها وازدواجها بوصف الخروج المذكور سببا لإفراد نفسي عن ذلك الوصف .