المشاقّ ، وتميل إلى إظهار ذلك ، فأحسّ بوثوبها وأسد ثلمة رعونتها ، وهكذا كان شأني إلى أن بلغت رتبة الاطمئنان ، وحينئذ استراحت عن التكليفات ، وذهبت لذّاتها المتعلقة بالميل إلى أحكام انحرافاتها الكلّية ، فعادت عبادتها الصادرة عنها بأدنى كلفة ومشقّة عبودة ذاتية لا مشقّة يلحقها ولا أذية تنالها في أدائها ، مثل النفس الظاهر من المتنفس لا يجد فيه كلفة ، بل يستريح من مشقة ضيق الصدر وحرارة القلب .
وكلّ مقام ، عن سلوك ، قطعته عبوديّة حقّقتها ، بعبودة
العبودية : إظهار التذلّل لمن يستحقه مع تكلّف في ذلك ، والعبادة ما به يكون ظهور التذلّل بتكلّف من فعل أو قول أو غيرهما ، والعبودة : ظهور ذلّتك لك عند ظهور عزّة من له العزّة الذاتية عندك وفي مقابلتك ، فكان ظهور الذلّة منك بالذات والطبع لا بالتكلّف والحمل .
يقول : لما ظهر وصف الاطمئنان من نفسي بظهور أثر العدالة والوحدة القلبية فيها نظرت في نفسها فرأتها من جهة خلقيّتها في غاية ذلّة الاحتياج إلى موجدها وإمداده بالوجود إياها ، وأنه لو انقطع ذلك المدد عنها بواسطة سبب أو بلا واسطة لتلاشي تزكيتها وفنى عينها وعين مظهرها ، فبدت نفسها وعينها المخلوقة في عينها في غاية الذلّة والعجز والفقر ، وبدا لها أن موجدها الذي هو عين الوجود ومنبع فيضانه وجوده من ذاته لا من غيره ، فكانت العزّة والغنى ذاتية له ، كما أن الذلّة والحاجة والفقر ذاتي لها - أعني للنفس - فتحقّقت النفس حينئذ بسبب هذا النظر والمعرفة بحقيقة العبودة التي هي ظهور الذلّ الذاتي الذي للعبد له عند ظهور العزّ الذاتي الذي لمولاه ، ولما تحقّقت النفس بحقيقة العبودة بحيث تظهر ذلّتها في أداء حقوق أوامر سيّدها منها بالذات والطبع بلا كلفة ، كما يظهر النفس من المتنفّس عبرت النفس بعد هذا التحقّق على جميع المقامات التي قطعتها عن سلوك ، فكل مقام أدّت حقوقه بصورة العبودية عن تكلّف ، وربما بقي شيء منها ما حقّقته بالعبودية ، أعني ما أدّت حقوقه تماما لخفائه وحكم الكلفة التي كانت تصحبها حالتئذ حقّقتها بحكم العبودة التي لا كلفة فيها ، وظهرت خفايا ذلك المقام بحكم استقصاء أثر العبودة ذلك حتى كمل تحقّقها بالمقامات جميعها لذلك ، وتكاملت هي بذلك .