تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
وكنت « 1 » بها صبّا ، فلمّا تركت ما أردتّ « 2 » ، أرادتني لها وأحبّت وكنت إلى الآن عاشقا بها ، أعني بحضرة المحبوب الحقيقي ومحبّا إياها ، وما حملني على ما قلت من ركوب الأهوال والأخطار إلّا عشقي ومحبّتي ، فلمّا تركت لأجل حبّها وطلبها إرادة نفسي وهواها أرادتني تلك الحضرة لها ، وخصّصتني بقربها ، وأحبّتني فصرت محبوبا لها .
فصرت حبيبا ، بل محبّا لنفسه ، وليس كقول مرّ : ( نفسي حبيبتي ) الحبيب ههنا فعيل بمعنى مفعول ، وبل إضراب عن الأول على معنى أن قوله : فصرت حبيبا يؤذن وينبئ أن المحبّ غير المحبوب ، فأضرب عن هذا المفهوم ، وقال : بل محبّا لنفسه ، أعني لعين ذاته بحيث لم يكن المحبّ والمحبوب إلّا أنا بسبب فناء أنيتي المجازية عني وبقائي ببقاء تلك الحضرة وبأنيتها التي هي عين الوجود الظاهر والباطن ، ولما مرّ قبل هذا قولي : وإني التي أجبتها لا محالة ، ليس هذا الذي قلت الآن مثل ذلك الذي مرّ ؛ لأن الذي مرّ كان مشهودي عين الوجود الظاهر ، فشاهدت تعيّنات ذلك الوجود الظاهري وتنوّعات ظهوره طالبة وعاشقة لعين الوجود الظاهري الذي هو منبعها وأصلها وكلّها ، وشاهدت ذاتي من جملة تلك التعيّنات راجعة إلى أصلها وكلها الذي هو عين الوجود الظاهري الواحد ، ومتحقّقة به بحكم إيصال الحبّ المضاف إلى نفسي عيني المتعين بعينه المطلق ، فكنت حالتئذ محبّا من حيث التعين ، ومحبوبا من حيث الإطلاق - أعني إطلاق الوجود الظاهري - وجمعه لتعيّناته ، والآن على عكس ذلك ؛ لأن المشهود الآن عين الوجود الباطني ، وأشاهد ذاتي شأنا من شؤون تلك الحضرة ، وأشاهد ذلك الشأن عين تلك الحضرة بلا مغايرة وغيريّة ، وأشاهد أن عين الذات محبّ لظهور شؤونه بصور متنوّعة بموجب « فأحببت أن أعرف » « 3 » ، فإني الآن محبّ من حيث التجلّي الباطني الجامع لجميع شؤونه ، ومحبوب من حيث شأن من الشؤون الذي هو عين ذلك التجلّي الجامع لتحقّقي بتلك الحضرة الجامعة ، فليس قولي الآن أنا محبّ لنفسه كقولي فيما مرّ نفسي محبوبتي ، لما ذكرت من الفرق .
هامش
( 1 ) في إحدى نسخ الديوان [ وصرت ] بدل [ وكنت ] . ( 2 ) في إحدى نسخ الديوان [ أريد ] بدل [ أردت ] . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .