تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
مهالك من الرياضات والمجاهدات التي كان الموت أيسر بعضها ، ثم اعتدلت الأوصاف المختصّة بالرتبة الإنسانية ، أعني النطق والعلم والعقل بإزالة الميل الذي فيها إلى ما لا يعني النفس ، حتى صار نطقها للّه ، وفي اللّه ، وعلمها للّه ، وبما يهديها إلى اللّه ، وعقلها عن اللّه مصروفا فيما يقرب إلى اللّه تفرغت حينئذ لتهذيب الأخلاق الروحانية الملكية بواسطة إني منعت النفس كل لذّة كانت تلتذّ بها بحكم ميلها إلى طرف إفراط وتفريط ، مثل منع كل لذة تتعلق بميلها إلى طرف التبذير بحجّة السخاوة حتى يقال : إنه جواد أو لذة لها متعلقة بجمع المال وإمساكه بحجّة حفظه لوقت الحاجة ، ومثل منع النفس كل لذّة لها متعلقة بالإقدام والتهوّر بحجّة الشجاعة حتى يقال : إنه شجاع ، ومنعها عن كل لذة متعلقة بالجبن لميلها إلى لذّة بقاء النفس وسلامتها عن التلف وأمثال ذلك لما منعت النفس كل لذة لها متعلقة بالميل إلى طرف كل خلق روحاني وجداني معتدل بينها ، كالسخاء والشجاعة مثلا اللذين ذكرت طرفهما حتى تقيس باقي الأخلاق عليهما ، وهذا المنع للنفس عن كل لذّة لها متعلقة بالميل إلى الطرفين ، وإذهابي تلك اللذة عنهما إنما كان بإبعادي النفس عن عاداتها المتعلّقة بطبيعتها وخاصيّتها الحاصلة والعارضة عليها من مرتبة النبات والمعدن والحيوان ، بل من البسائط والأركان في تنزّل وجوده وظهوره بصورة الإنسان ، حينئذ تهذب واعتدل ذلك الخلق وكمل بظهور حكم وحدته وانتفاء أحكام الكثرة عنه ؛ فلا جرم اطمأنّت إلى التوجّه إلى عالم الوحدة بموجب خطاب :
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
[ الفجر : الآية 28 ] ، وذلك بنسبة غلبة حكم الوحدة والعدالة على الكثرة والانحراف في رتبة حيوانيتها وإنسانيّتها وروحانيتها وملكيّتها .
ولم يبق هول دونها ما ركبته ، وأشهد نفسي فيه غير زكيّة دون ههنا نقيض فوق ، ومعناه : القصور عن البلوغ إلى الغاية المطلوبة ، وقوله : دونها ، أي : قبيل طمأنينة النفس . يقول : إن نفسي قبيل أن يظهر وصف طمأنينتها لم تصر مزكاة من وثباتها وشربها الخفي واستراقها من الأحوال الظاهرة - أعني وصف طلب جاه - ورعونة مع ركوبي أهوال الرياضات والمجاهدات والمكابدات في رفع عاداتها ومنعها عن لذّاتها المتعلّقة بأحكام انحرافاتها ، فإني أشهدها في عين تلك الأحوال غير مزكاة ، فإنها تثب أحيانا في عين تلك الأهوال وتسترقّ رعونة باصطبارها وتحمّلها تلك