للمشقّة ، فالتكليف هو الأمر بما يشقّ على المكلف أولا إلى أن يصير المأمور به سهلا عليه ، ويصير كلفا به ومحبّا له ، والقيام بالأمر هو التعرّض لمراعاته ، ومنه قوله تعالى :
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
[ النّساء : الآية 135 ] ، والكفالة : الضمان ، تقول :
تكفّلت بكذا وكفلت فلانا دخلت في ضمانه ، وضمير الهاءات راجعة كلّها إلى النفس ، وذكر المصدر في تكليفها وأراد به المفعول يعني بما كلفتها ، والباء في قوله : بتكليفها لتعدية القيام ، وفي قوله : بكلفتي لتعدية كلفت ، أي أولعت به وإضافة الكلف والكلفة إلى المتكلّم من حيث نفسه وبلسانها ، لا بلسان جمعية السائر .
يقول : لما انتقلت النفس من أول درجة اللوامية إلى ثانيها أمرتها بالقيام بحقوق هذا المقام من تحمّل أثقال المعاملات ، وأداء العبادات ، ورفع العادات ، وإزالة أحكام الانحرافات ، وقطع التعلّقات مع أدنى مشقّة تنالها في ذلك ، لا بل ضمنت قيامها بجميع ما كلفتها به بحيث لا يفوتها شيء من ذلك ، وذلك لما قد شاهدت من شدّة ميلها إلى ذلك القيام ، ورأيت من تأذّيها عند تخفيف شيء من أثقال المعاملات إلى أن آل أمري من جهة نفسي أن الذي كان لها كلفة ومشقّة في القيام بها كلفت وأولعت ، أي : ولعت نفسي بذلك وأحبّتها الآن ، فيصدر ذلك منها بالإرادة لا بالكلفة والمشقّة .
قلت : ولما ذكر تعديل أوصاف حيوانيّته بصيغة تحميل الأثقال المختص ذلك بالحيوان ، ثم ذكر تعديل أوصافه المختصّة بالإنسانية بصيغة التكليف المختص بالإنسان في هذين البيتين ذكر في هذا البيت الآتي بعدهما تعديل أوصافه الروحانية الخلقية بصيغة التهذيب المختصّ بالروحانيات :
وأذهبت ، في تهذيبها ، كلّ لذّة ، بإبعادها عن عادها فاطمأنّت
التهذيب : التنقية من العيوب ، واستعمل هذه الصيغة كثير من البلغاء في تنقية الأخلاق من عيوب الانحرافات العارضة عليها من أحكام العادات والميل إلى اللذّات الطبيعية الحيوانية .
يقول : ولما اعتدلت الأوصاف الحيوانية كالشهوة والغضب بزوال الميول الانحرافية عنهما ، وانتفت مطالباتها المختلفة حقّا تارة ، وحظّا أخرى عن النفس بسبب قيام هذه العدالة بها وسرايتها في القوّتين المذكورتين بحكم إيرادي النفس