تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥

وأمّا وصفها الثاني : فاللوامية

، قال اللّه تعالى :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
( 2 ) [ القيامة : الآية 2 ] ، وهذا الوصف مترتّب على وجهها الذي يلي الروح لتتعمر بتدبيرها المختصّ بهذا الوجه نشأتها الأخرويّة ويتهيّأ به أسباب حصول حظوظها المتعلّقة بهذه النشأة الأخرويّة ، ويقوم بهذا الوجه أيضا تدبير صور طبيعية تتعيّن لها في النشأة الأخرويّة ، فتلوم صاحبها إذا أخلّ بشيء مما يحتاج إليه في حكم هذه العمارة والتهيئة والقيام بتدبير صور تلك النشأة من أعمال البرّ وأفعال الخير على وفق أمر موجده ومقتضى شرعه .

والوصف الثالث : إنما هو الاطمئنان

، قال اللّه تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
( 28 ) [ الفجر : الآيتان 27 ، 28 ] ، وهذا الوصف متعلّق بوجهها الذي يلي حضرة موجدها لتتقوّى بهذا الوصف على قرب حضرة سيّدها ورفع الحجب الحائلة بينها وبين تلك الحضرة ، فأهل السلوك في مبدأ شروعهم فيه كان أهمّ ما عليهم إزالة أحكام وصف الأمّارية في مقام الإسلام ، ثم بعد الفراغ من ذلك يتفرّغون إلى إزالة أحكام لواميّتها ، فإن لومها تارة على استيفاء الحظوظ ، وتارة على تركها ، وتارة على ترك حقوقها ، وتارة على ترك الأعمال الصالحة والإخلال بشيء من حقوق الحقّ وحقوق المقامات ، فالناظم رحمه اللّه يشير إلى أنه كان مبدأ شروعه في السير في مقام اللوّامية والتشمير لإزالة الأحكام اللوامية ، ولم تكن قطّ نفسه أمارة بالسوء لقوّة استعداده ، ثم ذكر أنه ركب الأهوال وأورد نفسه مهالك كان الموت أيسرها لأجل إزالة أحكام اللوامية عن النفس ومنع طلب حقوقها وإزالة شيء يسير من الأحكام الانحرافية عنها ، فكيف يكون حال من احتاج إلى إزالة أحكام الأمارية يمنع حظوظ النفس كلّها عاجلا وآجلا ، واستيلاء أحكام الهوى والطبع عليها وتلبّسها بصنوف أحكام الانحرافات الاعتقادية والقوليّة والفعلية والخلقيّة ، ولولا التأييد الإلهي وإعانة الشيخ المرشد الذي يغلب بقوة نفسه على نفس المريد وعلى هواه وطبعه كيف يقدر على مغالبتها .
فأوردتها ما الموت أيسر بعضه وأتعبتها ، كيما تكون مريحتي أوردتها : أتيت بها أو نسقت إليها أشياء من الرياضات والمجاهدات والمكابدات والمخالفات ورفع العادات وتجرّع مرارات ترك جميع المرادات يكون الموت أيسر وأسهل من بعض تلك الأشياء ؛ لأن تجرّع مرارة الموت لحظة واحدة