بحسب حالك واستعدادك ، وأقيك من شرور نفسك بحكم القوّة الربانية التي أعطيتها ، وهذه الجنّة الثالثة هي أحصن جنّة بسبب أن وصولك إلى حصول حقيقة القلب الذي هو أول جنّة متوقف على إمدادي إياك بحسن الإرشاد ، وكذا متابعتك كما ينبغي للشريعة والطريقة التي هي الجنّة الثانية لا يتهيّأ لك إلّا بمعاونتي إيّاك عند مغالبة نفسك عند ذلك ؛ فلا جرم عذ من شرّ نفسك إليّ ، فإني أحصن جنة لك في دفع سهام تسويلاتها ووساوسها ودسائسها ؛ لأني قد مارست مخاصمة النفس ومعاداتها وعرفت مكائدها ومصائدها وغالبتها في جميع أمورها ووقائعها .
وها أنا أبيّن لك ما قاسيت من شدائدها إلى أن غلبتها ، حتى تكون على بصيرة من أمري وأمرك .
فنفسي كانت ، قبل ، لوّامة متى أطعها عصت ، أو أعص عنها مطيعتي
الفاء ههنا للسببية متعلقة بمعنى قوله : وعذ منها بي ، فإني أنا أحصن جنّة لك من شرّها لعبوري على المقامات ومقاساتي شدائد مكائد النفس ، فإن نفسي كانت قبل شروعي في السير والسلوك لوّامة ، ولم تكّ قطّ أمّارة بالسوء ، بل كانت تلومني على منع حقوقها من كل ما يباح في الشرع بموجب قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : الآية 29 ] ، فإذا أطعتها في إعطاء حقّها حينئذ تعصني وتريد التجاوز إلى طلب حظّها مني ، فإذا عصيتها في إعطاء حظّها تطيعني في ذلك ولم تطالبني بزائد من حقها .
واعلم أن النفس الإنسانية الملهمة فجورها وتقواها لها ثلاثة أوصاف مترتّبة على أحكام وجوهها الثلاثة .
أمّا وصفها الأول ، فأمارية بالسوء
، قال اللّه تعالى :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : الآية 53 ] ، وهذا الوصف مترتّب على حكم وجهها الذي يلي عالم الطبيعة لتنعمر بهذا الوجه نشأتها الدنيوية ، وتحصل بها حظوظها المتعلقة بهذه النشأة ، ولتقيم الصورة العنصرية بتدبيرها بمدد العقل المعيشي المقصور حكمه على النشأة الدنيوية في الحال دون تطلع النفس من حيث هذا الوجه التدبيري وعقلها إلى المآل المتعلّق بالنشأة الأخرويّة والنفس بهذا الوجه تأمر باستيفاء الحظوظ الحسّية الحيوانية والعقل المعيشي يعينها في ذلك .