تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
أماريتها المتعلقة بنشأة الدنيا ونشأة الآخرة ، حتى تتخلّص أنت ببركة نفسه وإرشاده عن تلك القيود الخفيّة والبقايا من حكم الأمارية ، فعليك أن لا يغرّك أحد من المترسمين بظاهر قوله وتقريره المقامات وآفات النفس التي سمعها أو رآها مكتوبا في كتب أهل الطريق ، ثم سوّلت نفسه وزيّنت جهلها في نظره بصورة العلم الحقيقي وأمرته أن يتصدّى للهداية والإرشاد ، وما خرج بعد من حكم أمارية نفسه بحيث استمرّت أماريتها حتى أمرته أن يتعرّض لإرشاد الطالبين ، ولم يشمّ رائحة من حقيقة الأمر أو سلوك وسير صحيح مخلص من شوائب الرياء والسمعة ، وغلبة أحكام طلب الحظوظ النفسانية ، فإيّاك ثم إيّاك عن متابعة أمثال هؤلاء الذين هم من جنود الشيطان ، واعتبر أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وزنها بميزان الشريعة والطريقة ، فإذا خالف شيئا منهما فردّه ، فإن كان صاحب حال صحيح ورددته فما عليك من ردّه بحكم الشرع تبعة ولا مضرّة ، والأولى أن تسرح أحواله في بقعة الإمكان ، ولا تقتدي به ولا تتّخذه شيخا ومرشدا . ألا ترى أن أهل اللّه على كثرتهم لم يصلحوا للاقتداء مطلقا منهم إلّا من اختاره الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن خفيف الشيرازي قدّس اللّه سرّه في قوله : اقتدوا بخمسة من أصحابنا الإمام أبي القاسم الجندي ، وحارث المحاسبي ، وعمرو بن عثمان المكي ، ورويم بن محمد البغدادي ، وأبي حفص الحدّاد النيسابوري ، والباقون سلّموا لهم أحوالهم ، يعني بذلك أن هؤلاء الخمسة هم الذين أيّدهم اللّه بالتمكّن في مقام التمكين بحيث لم يغلب عليهم حال ، بل كانوا هم غالبين على أحوالهم ، وغيرهم ربما غلبوا في أحوالهم ، فتكلّموا حال مغلوبيتهم بما يخالف ظاهره ظاهر الشريعة ، فهم مردودون بظاهر الشريعة من حيث ظاهر بدا منهم ، لا من حيث المفهوم ، ومن باطن ما قالوا ، ومن حيث باطن مفهوم الشريعة .
ودع ما عداها ، واعد نفسك فهي من عداها ، وعذ منها بأحصن جنّة دع : اترك ما عداها غيرها ، واعد : جاوزها تاركا لها من عداها من أعدائها كلاهما جمع عدو ، والعدى قيل : إنه جمع لا نظير له ، فإنه لم يأت فعل في النعوت إلّا هذا ، وعذا : التجىء من العوذ وهو الالتجاء ، ومن الأولى للتبعيض ، والثانية لتعدية عذ ، فإنه يقال : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، وكذا الباء لتعديته ، والجنّة : ما يستتر به من رفة السهم والسيف ونحوهما من السلاح .