تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
يقول : وإذا علمت أنه يجب عليك ويلزمك اجتناب المدّعين ومتابعتهم والتوجّه بكلّيتك نحو حضرة مولاك ومحبوبك بترك جميع الحظوظ والإعراض عن الأغراض ، والإعراض : إعطاء كل مقام من مقامات الطريق حقّه مع إعراضك عن رؤية ذلك الإعراض والإعطاء وغيرها حينئذ عندما عرض لك في أثناء السلوك حال شريف أو معرفة صحيحة ، أو كشف أمرا وخرق عادة ، فتيقّن أن هذا كلّه غير ذات محبوبك ودون مطلوبك ، فلا تقف معه ولا تلتفت إليه ولا تشتغل به عن التوجّه إلى طلب حضرة محبوبك الحقيقي ، وذلك هو المراد بقوله : ودع ما عداها بحكم نسبة ما قبله من المعنى وما بعده ، وهو قوله : واعد نفسك فهي من عداها ، يعني أن نفسك من حيث مرتبة نفسيّتها هي منبع كثرة القيود والنقائص ومجمع التضادّ والاختلاف والحجب والجهل والظلمة والعناد ، ومن هذه الجهة ما لها مع حضرة المحبوب التي هي أصل الكمالات وعين الوحدة والعدل والكشف والعلم والنور مناسبة ولا ارتباط ولا ملائمة ، فهي بأوصافها في مقابلة تلك الحضرة والعدو هو الذي يكون في مقابلة من عاداه بلا مناسبة ولا ملائمة بين أحكامهما وأوصافهما ، كما أنها من أعداء تلك الحضرة ، فإنّها من أشدّ أعدائك لأنها تجرّك إلى ما فيه بوارك وهلاكك من الميل إلى عالم الكثرة إليها وإلى ما يدعو إليها من استيفاء الحظوظ الوهمية من الجاه بواسطة إظهار تلك الكرامات والأحوال والمكاشفات والمعارف والواردات ، حتى تميل إلى شيء من قبول الخلق وإقبالهم عليك بسبب ظهور تلك الأحوال منك لديهم ، فتشتغل بذلك وتعرض عن التوجّه إلى حضرة مولاك ومحبوبك ، وحينئذ يحصل مقصوده من إظهار المعاداة وإيصال الشرّ إلى معاديه ، فإن كل عدوّ يسعى في المنع عن التوجّه إلى من عاداه ، وهذا إظهار المعاداة مع حضرة المحبوب ، وفي إبعادك بذلك الاشتغال عن تلك الحضرة الذي هو شرّ عظيم بالنسبة إليك يحصل أيضا مقصود معاداتها معك ، فسبيلك أن تلتجىء إلى من يحفظك من شرورها وتلوذ بجنّة تقيك من غائلة مغالبتها ومخاصمتها ، وتلك الجنّة منحصرة في ثلاثة أشياء . أحدها : ظهور وحدة القلب وعدالتها الكامنة في باطن نفسك ، وثانيها : ملازمة الشريعة والطريقة ومتابعة وحدتهما وعدالتهما ، وثالثها : حفظي وحمايتي وحضوري معك وتوجّهي إلى رعاية أحوالك من جهة أني شيخك ومرادك بشرط تسليم أمورك كلّها إليّ ، وكونك معي كالميت بين يدي الغسال لأتصرف فيك