تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
جزئيّتها وجزئية مقامها ومرتبتها ، فلا ترى إلّا ما يكون مقيّدا بمرتبة الرؤية من الألوان والهيئات ، ولا تسمع إلّا الحروف والأصوات ، ولا تقول إلّا بالألفاظ والكلمات ، ولن يظهر كل واحد معنى إلّا ما يكون ظهور ذلك المعنى مقيّدا بهذه المرتبة الجزئية حسّا أو خيالا أو روحا ، ولا يظهر ما يتعلق بعالم الحقّ إلّا عند خروجك من مضيق عالم البشرية والخلقيّة ، وتحقّقك بمقام الجمع الذي هو أهدى طريق إلى معرفة حقائق الأشياء بواسطة كون الحقّ تعالى فيه سمع العبد وبصره ولسانه ويده فيه ينظر وببصره يبصر كل شيء ، وبه يسمع وبه يتكلّم وبه يعرف ، وحينئذ يصير السائر المحبّ عند النظر كلّه بصرا لكونه عين الوجود الحقّ ، وهو عين بصره ، وعند السماع كذلك ، وعند القول كذلك ، وإذا كان الأمر على ما وصفت فإذا أردت أن تقول شيئا وتعبّر عن أمر فلا تستعجل في ذلك واجتهد في فناء أحكام الجزئية والخلقية عنك والتحقّق بمقام الحقيقة والجمع حتى يهديك ذلك المقام إلى طريق معرفة حقائق الأشياء ، من حيث أكثر لوازمها بوساطة البصر والسمع المنصبغين بحكم هذا المقام ، فتقول وتعبّر حينئذ عن معرفة وبصيرة محقّقة وتبيّن بيانا شافيا مع أهل كل مرتبة بما يليق به وبمرتبته من لسان وعبارة ، وتفهم المستمع حقيقة كل شيء من حيث أجمع لوازمه ما عدا غيب غيبه ، وكنه إطلاق ربّه ، واللّه المرشد .
ولا تتّبع من سوّلت نفسه له ، فصارت له أمّارة ، واستمرّت سوّلت : زيّنت ، وحقيقة التسويل : تزيّن النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن ، واستمرّت من قولهم : استمرّ مريده ، أي : قوي عزمه . يقول : لمّا كان وصولك بهذه الكلّية الكائنة في مقام الجمع مشروطا بشرط فنائك عن جميع الخفايا من بقايا نفسك وحظوظها الكامنة في باطنها وسرائر شربها الخفيّ من كل عمل قلبي وقالبي ، بل عن جميع أوصافك المميّزة بينك وبين مطلوبك ، ونفي خفايا أثر التسويل والأمارية بالسوء عن نفسك والوقوف على هذه الأمور التي تخفيها نفسك في باطنها عنك ليس في وسعك وقوتك . فلا بدّ لك من مرشد مؤيّد بالتجلّيات والإذن بالهداية والإرشاد من جهة الحقّ بعد سيره المحقّق ووقوفه بالحقّ على هذه الخفايا والبقايا في كل سالك من أحكام مراتب الخلق وتخلّصه بالكلّية عن رقّ كل شيء من أحكام النفس ، وظهور أثر
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 341 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني