وبفهمه وتحقيقه وتفتيش سرّه ومتعلّقين بذلك ، فكل نفس يتزايد فهمك له ويقوى تحقيقك إيّاه ، فكنت أهلا له وأهلا لك ، وأما إن أبرزته إلى الظاهر فرغت عن تفتيش سرّه وحقيقته وانتقص اشتغال سرّك وروحك وتعلّقهما بازدياد فهمه وتحقيقه وصرت أنت غريبا عنه لانتقاله من باطنك الذي كان وطنه ومنشأه إلى باطن غيرك الذي هو المسمع الآخذ عنك ، وإذا كان الأمر كذلك فاصمت لكيلا تفوتك الأهلية ، وحين أمره بالصمت نبّهه أن الصمت مطلقا غير محمود ، فإن النفس لها شرب خفي فيه ، فاحذرها وادفع عنك شرّ شربها .
وفي الصمت سمت ، عنده جاه مسكة غدا عبده من ظنّه خير مسكت
السّمت ههنا مصدر سمت يسمت : قصد ، والمسكة : البقية من الشيء من جهة ما تمسك أصله ، والضمير في عبده راجع إلى جاه ، وفي ظنّه : يرجع إلى سمت .
يقول : إن للنفس في الظهور بوصف الصمت قصدا رديا وشربا خفيّا بتوقع جاه عند الخلق بأن ينسب إلى الثبات والوقار أو يسلم من خوف الوقوع في معرض الخجالة عند الفصحاء والبلغاء ببادرة تظهر على لسانها متّصفة بصفة الخطأ أو التكلّم بما لا يعني ، وهذا القصد والشرب الخفي بتوقع الجاه لا بدّ وأن يكون مضافا إلى بقيّة من خصائص أنانيّتها وخلقيتها ، ومن توهم وظنّ ذلك القصد والشرب الخفيّ خير مسكت غدا عبد جاه لا عبد آلة ، ثم يرشده إلى معرفة وقت إظهار الكلام حيث حثّه على الصمت وأوقفه على غائلة الصمت ، في ضمن ذلك هداه إلى إظهار وقت الإبصار والمساع ونحو ذلك ، فإن للنفس ما دام السالك في أثناء سلوكه في إظهار كل واحد منها قصد جاه وشربا خفيّا ، فلا ينبغي أن يغفل السالك عن ذلك ويصير إلى وقت إظهار هذه الأوصاف حتى يأمن من غائلة النفس ووثباتها وشربها الخفي .
فكن بصرا وانظر ، وسمعا وعه ، وكن لسانا وقل ، فالجمع أهدى طريقة
المراد بالجمع : حضرة الجمع الظاهري الذي يظهر عند انتهاء السير من النفس ، وفناء صفاتها العارضية والأصلية ، بل فناء تعيّنها وأنيّتها .
يقول : ما دامت نفسك في قيود بشريّتها وخلقيتها ، فجميع صفاتها الأصلية مثل البصر والسمع والنطق والأخذ والإعطاء والسعي ونحو ذلك مقيّدة بأحكام