شهود العارف وغير العارف أيضا ، وضيق عالم العبارة بالنسبة إلى ذلك العالم ، فإن إدراك كل شيء إنما يتمّ بإدراك لوازمه التي هي مقوّماته ، كالحيوانية والنطق بالنسبة إلى حقيقة الإنسان مثلا ، وربما يكون للحقيقة لوازم لا يظهر إلّا في عالم المعاني ؛ كحقيقة المحال ظهوره أصلا ، نحو كنه الكنه وغيب الغيب ، ولها لوازم لا يظهر إلّا في عالم المعنى من حيث وجوبه وإمكانه ، ومن حيث ما يستحيل ظهوره في المراتب الكونية بصورة الخلقية أصلا ، ولازم لا يظهر إلّا في عالم الأرواح ، ولازم لا يظهر إلّا في عالم النفس من جهة خيالها وتصوّرها ، ولوازم تظهر في العبارة ، فلو أراد أن يعبّر المعبّر عن حقيقة ما لا يقدر على تعبيرها إلّا من حيث لوازمها المختصّ ظهورها بعالم العبارة الحسّية مع المقيدين به بلسانهم ، أو من حيث لوازمها المقيّدة بعالم المثال مع أهله المقيّدين به بلسان وعبارة لائق بهم ، أو من حيث اللوازم المقيّدة بعالم الأرواح مع أهله المقيّدين به بلسان وعبارة يليق بهم أيضا ، أو من حيث اللوازم المقيّدة بعالم المعاني مع أهله المقيّدين به بلسان يليق بذلك العالم أيضا ، لكن يعجز عمّا يختص بالمحال ، وكنه الكنه وغيب الغيب ، وحيث تعجز عن التعبير عنها من حيث ما يختصّ ظهورها بما عدا هذه العوالم وهو الغيب المطلق الذي لا عبارة تلحقه ولا فهم ولا إشارة ، وتكلّ الألسن وإن عبّرت جميع فنون العبارة عن بيان حقيقة من الحقائق على ما هي عليه ، فأيّ فائدة لك متعلّقة بمتابعة دواعي القيل والقال ، وإظهار الدعوى مع غوائلها في هذا المعرض مع تقيّدك في العبارة بأحد هذه العوالم ولسانه وهو العبارة الحسّية ، ثم نبّهه على دقيقة أخرى متعلّقة بهذا المقام :
وما عنه لم تفصح ، فإنّك أهله ، وأنت غريب عنه ، إن قلت ، فاصمت
هذا البيت يحتمل أن يقرّر معناه من وجهين ، أحدهما : أنه يقول كل حقيقة من الحقائق التي تصدّيت لبيانها ولم تقدر على الإفصاح وإدخالها تحت العبارة ، وعلمت أن وراء ما تقدر على بيانه شيء إظهاره فوق قدرتك ، فاعلم أنك أهل لعلمه ومعرفته لما ذكر من المعنيين في البيت السابق ، وإن قلته معتقدا أنك خرجت عن عهدة بيانه ، فاعلم أنك غريب عن تحقيقه في علمه ، وما فهمته إلّا من حيث بعض لوازمه لا من حيث أكثرها .
والوجه الثاني : أن كل ما لم تفصح عنه ولم تبرزه من الباطن إلى الظاهر من الحقائق الإلهيّة أو الكونيّة بعد تعيّنه في باطنك كان سرّك وروحك مشتغلين به