تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
فألسن من يدعى بألسن عارف ، وإن « 1 » عبرت كلّ العبارات ، كلّت الألسن : جمع لسان ، والألسن : الأفصح في إظهار العبارة باللّسان ، واللّسن - بفتح السين - : الفصاحة ، والعبارة : من العبر وهو التجاوز ، ومعناه عبر الهواء من لسان المتكلّم إلى سمع السامع ، ويقال : كلّ اللسان والسيف والطرف إذا زالت حدّتها وجريانها ، فألسن مبتدأ ، والجملة الشرطية خبره ، والفاء ههنا للتسبيب والعلية ؛ كأنه يقول : لا تشتغل بالقيال والقال طلبا لإظهار الأمور والأحوال على ما هي عليه ، فذلك ظنّ باطل ومحال ؛ لأن كل من يقال عنه أنه أفصح عارف وأتقنهم معرفة بحقائق الأشياء وأقواهم على التعبير عنها وله ألسن متنوّعة تعبّر عن الشيء الواحد من وجوه شتّى ، وتفهم السامع ذلك المعنى المراد إظهاره بطرق متعدّدة ، أعني على لسان أهل عالم الحسّ وعالم المثال ، وعلى لسان عالم الأرواح ، ولسان عالم المعاني وعالم السرّ المتعيّن إذا أراد ذلك العارف الأفصح أن يبيّن حقيقة واحدة من حقائق الأشياء على ما هي عليه ، وعبّرت ألسنة متنوعة من جميع وجوه تعبيرها وتفهيمها بجميع طرفها تزول حدّة تلك الألسن في ذلك وتعجز عن بيان تلك الحقيقة كما هي هي في نفس الأمر ، وذلك لأمرين عظيمين مانعين من الخروج عن عهدة بيانها راجعين في الحقيقة إلى أمر واحد وهو كنه غيب الغيب . أحدهما : أن باطن تلك الحقيقة إنما هو باطن الوجود من حيث شأن من شؤونه وحال من أحواله التي هي نسبة من نسب واحدية الحقّ تعالى وتقدّس ، وباطن ذلك الشأن هو حضرة الإطلاق وكنه الغيب التي لا تدرك ولا تفهم ولا تعلم ولا تشهد بمتعيّن أصلا ، فإذن لا يمكن أن يدخل كنه تلك الحقيقة في إدراكه وعبارته أصلا ، وقد نظم الشيخ الأكمل محي الدين بن العربي قدّس اللّه سرّه هذا المعنى وقال :
ولست أدرك من شيء حقيقته * وكيف أدركه وأنتم فيه
والمانع الثاني : اتّساع عالم المعاني لاشتماله على الواجب والممكن والمحال ، الذي لا ظهور ولا تحقّق ولا انضباط له ، أعني للمحال المطلق في
هامش
( 1 ) وفي إحدى نسخ الديوان [ وقد ] بدل [ وإن ] .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 338 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني