تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
والخلوّ والإخلاص فيك ، وإضافة وصف هذا الخلوص إلى تلك الحضرة ، لا إلى نفسك ، وهو المراد بقوله : واخلص بها بصدق التوجّه إليها .
وعاد دواعي القيل والقال ، وانج من عوادي دعاو صدقها قصد سمعة العوادي : جمع عادية من قولهم : دفعت عن فلان عادية فلان ، أي ظلمه وشرّه المتعدّي ، ومنه عوادي الدهر : أشغاله وعوائقه . يقول : إذا بدا لك في أثناء السلوك والمرور على المقامات أحوال وواردات هي من مقتضيات التحقّق بتلك المقامات ، ومن عجائب علوم عالم الملك والملكوت عند تخلّصك من عوائق أحكام الكثرة وحجابيتها قبل تمكّنك فيها وأمكنك من ظهور خفايا شرب النفس من رؤيا شيء من بقايا كامنة في باطنها ينبعث من باطنك بحكم تلك الأحوال والعلوم والواردات ، وحكم تلك البقايا الخفيّة فيك من شرب النفس ، ويظهر من بينهما دواعي إظهار تلك الأحوال والواردات والعلوم لدى الخلق من نفسك والاشتغال بالقيل والقال ، فتتعلّل بجواز ذلك الإظهار بأخبار الأكابر من أحوالهم ومواجيدهم عند المستعدّين من أصحابهم ومريديهم ، فتقوى تلك الدعاوى ، وإذا استحكمت تلك الدواعي تشرع في إظهار شيء من تلك الأحوال ، وربما يتجاوز عن حدّ ما هو الواقع يقينا إلى إظهار ما ظنّه واقعا تخمينا ، وإن كان ذلك المظنون واقعا ، لكن يظهر ذلك منها على سبيل الدعوى بسبب وقوع ذلك الظنّ والتخمين في طريقها ، ويكون غرض النفس مشوبة في إظهارها صادقة فيها بقصد السمعة لبقية شربها الخفيّ في ذلك ، فتنبّه أيها المسترشد لهذه الدقيقة ، وقابل تلك الدواعي بالبغض والمعاداة معها ، واطلب النجاة من شرّ دعاو تظهر منك في أثنائها بسبب كمون شيء من بقايا شرب النفس والتطلّع إلى الجاه والقبول واندراجها في تلك الدعاوى ، وإظهار الأحوال بطريق القيل والقال ، واعلم أنّ النفس مهما ظهرت بوصف الدعوى في أمر وإن كانت صادقة فيها لم يخل صدقها في ذلك عن قصد سمعة يقال ويسمع من حالها أنها متحقّقة بأحوال شريفة وواردات صحيحة ، على أن الأحوال لا تدخل على ما هي عليه في المقابل لاتّساع عالم المعاني وضيق عالم العبارة .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 337 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني