تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
يقول مؤيّدا لمعنى الأبيات السابقة : أن الوصية الجامعة هي أن يقصد المحبّ السائر مفلسا خاليا عن الوسائل ، فإن أغنى يد قوى التصرّف والتعريف بثروة الأسباب والوسائل ما دامت تمدّ لنيل وصل تلك الحضرة ، فجزاؤها سكاكين معدّة لقطعها ومنعها عن ذلك المدّ بموجب أصل لا يدرك الشيء بغيره ، وعلّة كون اليسار متّصفا بوصف الكثرة الحقيقية ، وتلك الحضرة عين الوحدة وأصلها ، والكثرة تنافي الوحدة ، فكيف ينال الشيء بواسطة منافيه .
وأخلص لها ، واخلص بها عن رعونة أف تقارك من أعمال برّ تزكّت الإخلاص : التصفية من كل شوب ، يقال : أخلصت الشيء وخلصته فخلص ، والخلوص : الصفاء من الكدر والشوب ، والرعونة : نوع من الإعجاب بالنفس أو بما منها ومن أعمال متعلّقة بأخلص ، ومن رعونة متعلقة بأخلص . يقول : وأخلص لها يعني إذا عملت عمل برّ وطهّرته من شوب الرياء والسمعة ، أعني من نظرك إلى رؤية الغير وسماعه طلبا لجاه ومنزلة عند ذلك الغير ، وتطلّعا إلى أن يكون لك ذكر جميل عنده ، فأخلص أي صفّ ذلك العمل عن نظرك إلى نفسك وحظّها منه أيضا في الدنيا أو في الآخرة بحسن جزاء يحصل لك في مقابلته ، وعن رؤيتك ذلك العمل وصدوره منك وأثره فيك بأن تصير به عامل خير ، بل أخلص ذلك العمل لحضرة المحبوب ومراعاة أمره بقوله : افعلوا الخير ، ثم اقطع نظرك عنه بالكلية بحيث يصير نسيا منسيّا بالنسبة إليك ، فحينئذ يكون ذلك العمل لها لا لغيرها سواء ذلك الغير أنت أو غيرك على نحو ما سمعت شيخنا وسيدنا الربّاني الصمداني محمد بن السكدان البغدادي قدّس اللّه سره من هذا المقام ، وقد سئل : ما علامة قبول العمل ؟ قال : نسيانك إيّاه وانقطاع نظرك عنه بالكليّة ، بدلالة قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : الآية 10 ] ، قال : فعلامة رفع الحقّ تعالى ذلك العمل أن لا يبقى عندك منه شيء ، فإنه إذا بقي في نظرك منه شيء لم يرفع إليه لبينونة بين عنديتك وعنديته تعالى ، وذلك معنى قوله : وأخلص لها ، أي لحضرة المحبوب كل عمل من أعمال برّ تزكت ، أي تطهرت من شائبة نظر الأغيار وسماعهم . وقوله : واخلص بها من رعونة افتقارك ، يعني : تصفّ من وصف إعجابك بافتقارك ورؤيته والنظر إليه بوساطة إضافة إظهار جميع الأوصاف ووصف هذا الفقر