وحالا وما خلته خيرا وكمالا في الدنيا والآخرة وجاها وحشمة وقبولا وإقبالا ، وعن تركك هذه كلّها ، وعن رؤية تركك وإعراضك عن جميع ما ذكرنا ، فإني قد جمعت في الوصية بقولي : توجّه واقصد نحو تلك المقصد والحضرة حال إفلاسك ، أعني خلوّك التامّ عن كل ما يصلح أن يكون وسيلة وسببا لحصول المقصود ، وهي التي ذكرناها لأجل نصيحتي إيّاك لا لغرض آخر راجع نفعه إلى أن قبلت وصيتي هذه الجامعة فزت بالسعادة الأبدية والسيادة السرمدية .
فلم يدن منها موسر باجتهاده ، وعنها به لم ينأ مؤثر عسرة
لم يدن : لم يقرب ، موسر : ذو يسار ، أي ذو غنى ، ولم ينأ : لم يبعد ، موثر : أي مختار تعسر وجود المعاش ، والفاء في أول البيت للسببية متعلقة بقوله :
فقد وصيت ، أي جمعت وصيّتي كلها في قولي : انحها مفلسا ؛ لأنه لم يقرب من تلك الحضرة المحبوبية ذو يسار وغنى بالمال أو الجاه أو العلم أو العمل أو كل ما يصلح وسيلة إلى خير وكمال دنيوي أو أخروي أو ذو يسار بترك هذا كلّه ، أو برؤية ذلك الترك والإعراض بجدّه واجتهاده البتّة ، ولم يبعد عن تلك الحضرة من يكون مفلسا متعسّرا عليه وجود هذه الأنواع المذكورة من الغنى وحصوله باجتهاده ، وإن كان أدنى اجتهاد ؛ لا جرم بهذا السبب يكون قولي : اقصد نحوها مفلسا وصية جامعة إن قبلها السالك المجد يفز بمقصوده سريعا ، ويعضد هذا المعنى ما أذكره في البيت الذي يليه :
بذاك جرى شرط الهوى بين أهله ، وطائفة ، بالعهد ، أوفت فوفّت
الألف واللام في الهوى للعهد المذكور فيما تقدّم من هذه القصيدة ، وأوفت :
من قولهم : وفي بالعهد وأوفى ، إذا تمّم العهد ولم ينقض حفظه ، ووفت من توفية الشيء وهو بذله وافيا ، ويحتمل أن يريد بقوله : فوفت ، أي بذلت حضرة المحبوب ثوابها من قربها ووصلها وافيا عقيب إيفاء تلك الطائفة عهد حبّها وهواها ، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الطائفة أيضا ، يعني : أوفت الطائفة بعهدها فوفت حقوق ذلك العهد تماما ، بحيث لم يبق عليهم من تلك الحقوق شيء أصلا .
يقول : إنه قد جرى شرط هوى هذه الحضرة المحبوبية بين أهله بذاك ، أعني بالذي قلت أن لا يقصدوها إلّا مفلسا خاليا عن كل سبب ووسيلة حتى لا يضاف وصولهم إليها وقربهم منها إلّا إلى تلك الحضرة وعنايتها وجذبتها بموجب « سبحان