وممانعتها عن الاشتغال بمهم سعيها وسيرها ، فكانت مثل المريض الواقع في بلاء مجاذبة الأخلاط ومخاصمة انحراف المزاج - أعني المرض - واعتداله الذي هو الصحة ، فتارة يغلب المرض ويقول بحيث يجعل المرء عاجزا عن الحركة والتدبير منكسر القلب ضعيف القوى ، فلو أنه مال والتفت إلى ذلك العجز والانكسار وترك التدبير بالكلّية تقوى عليه غلبة المرض ، وأفنت المزاج وأهلكت المريض ، فسبيل المريض أن لا يلتفت إلى ذلك العجز والقصور ويتحرّك في عين ذلك العجز نحو التدبير وتقوية الخلط المغلوب وترتيب آلات الصحة قبل فوات مكنة التدبير والتقوية ، إلى أن تتراجع صحته ، وهكذا حكم النفس في مغالبتها الهوى والطبع وعجزها عن المقاومة ، وانكسارها في تلك المخاصمة بحيث لا تبقى فيها قوة الانتهاض ، وانكسرت أجنحة قوى قيامها بمهم وقتها من الجدّ والسعي ، وخصوصا إذا وقع نظرها في هذه الحالة على قصور بشريّتها وعلوّ قدر مطلوبها ازدادت ضعفا وزمانة وانكسارا ، ففي هذه الحالة سبيلها أن يلزم نفسها على أن يتحرّك في عين سكون قواها من الضعف والعجز عن الحركة والسعي ، وتنتهض في عين انكسار أعضاء قيامها وتسير مع غاية زمانتها ، ولو كان حبوا مستظهرا ومعتمدا على وعد : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت منه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 1 » ، فبهذا تنكسر قوة عدوها وتضعف شوكته وشدّته لما رأى من صدق قصدها وثبات عزمها وشدّة انبعاثها مع قوّة ضعفها وغاية مغلوبيّتها ، ولو لم تفعل هكذا وتؤخر عزيمة نهضتها إلى صحة حالها وزوال ضعفها وانجبار كسرها وارتفاع زمانتها لكان حظّها البطالة في الحال والمآل أيضا ؛ لأن زوال هذا المانع لا يتيسّر إلّا بشروق الأنوار الإيمانية - كما قلنا - ولن يشرق شيء من تلك الأنوار مع بقية شيء من بقايا حقوق المقام الإسلامي عليه ، ولن تؤدّي تلك الحقوق تماما إلّا بالجدّ والجهد في حالتي القوّة والضعف ؛ فلا جرم بتأخير عزيمة النفس تبقى بطالا أبدا ، وهذا تحقيق قوله : فحظك البطالة ما أخّرت عزما لصحة ، أي لصحتك من زمانتك وانكسارك ، وعن هذا المعنى عبّر بعض الأكابر من أهل اللّه بقوله : سيروا إلى اللّه عرجا ومكاسير .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .